
الإعلامية ملك دميرتاش
تشهد منطقة الشرق الأوسط انعطافا تاريخيا كبرى، حيث غادرت القوى الإقليمية والدولية منطقة “الظل والحياد” لتتموضع في خنادق “التحرك الفعلي”. هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل جاء عقب “انكسار حاجز الهيبة”؛ فالتسريبات الاستخباراتية التي كشفت عن تخلخل العمق الإيراني كانت بمثابة “الضوء الأخضر” الذي دفع عواصم كبرى (مثل القاهرة وأنقرة وإسلام آباد) إلى إعادة ضبط بوصلتها بعيداً عن سياسة و إمساك العصا من المنتصف.
التذبذب التركي.. من المناورة إلى الملاجئ
تعد الحالة التركية التجسيد الأوضح لهذا التحول؛ فقد انتقلت أنقرة من “الدبلوماسية الهادئة” التي تحرص على إرضاء الجميع، إلى حالة الاستنفار الوجودي. لم يعد الأمر مجرد مناورات سياسية، بل وصل إلى “الاستعداد الإجباري” عبر بناء الملاجئ والتحذير من مؤامرات قد تجر البلاد رغماً عنها إلى الصراعات في سوريا ولبنان، مع ارتماء واضح في أحضان “الناتو” كدرع وحيد ضد التهديدات الصاروخية.
أمن المضائق.. نهاية أسطورة القوة
على ضفاف مضيق هرمز، يسود منطق جديد. الاستعداد الأوروبي غير المسبوق للمشاركة في تأمين الملاحة يعكس قناعة دولية بأن “البعبع” الإيراني وحلفاءه لم يعودوا بالسطوة التي كانت تُروّج لها الآلة الإعلامية. إن الاستجابة الأوروبية للمطالب الأمريكية هي إعلان ضمني بأن موازين القوة قد مالت فعلياً لصالح المحور الدولي، مستغلة لحظة ضعف تاريخية للخصم.
الرؤية الإيرانية.. شروط “الخروج المر”
في المقابل، ترفض طهران الاستسلام لهذا الواقع، بل تذهب للهجوم عبر تصريحات استراتيجية (يمثلها محسن رضائي) تضع العالم أمام معادلة صفرية: “الأمن مقابل الانسحاب”. ترى إيران أن استقرار خمسة عقود مضت كان رهينة للوجود الأمريكي، وتطرح اليوم “أقفالاً” إيرانية-عمانية على مضيق هرمز تشمل:
حظر السفن الحربية: منع مرور القطع العسكرية الأمريكية تماماً.
ثنائية السيادة ل إيران وسلطنة عمان أي حصر إدارة المضيق بدول المنطقة، وإقصاء أي تدويل للملف.
فاتورة الحساب: مطالبة واشنطن بتعويضات مالية ضخمة وضمانات سيادية لإنهاء العقوبات، كشرط للتهدئة.
هل سنشاهد فجر حقبة ما بعد أمريكا أم نذير الصدام الكبير؟
نحن أمام مشهد لا يقبل الحلول الوسط؛ فبينما يرى المحور المعادي لإيران “لحظة تاريخية” للانقضاض على خصم منهك، تحاول طهران فرض واقع جديد ينهي “الحقبة الأمريكية” في الخليج ويؤسس لسيادة إقليمية مطلقة. المنطقة اليوم لا تعيد ترتيب أوراقها فحسب، بل تعيد رسم حدود القوة والنفوذ في صراع قد يغير وجه الملاحة والسياسة الدولية للأبد. ماذا سيكون رد أمريكا و إسرائيل؟