في ظل النقاشات المستمرة حول مستقبل التعددية القومية واللغوية في سوريا، تبرز قضية الحقوق اللغوية للكورد، وتحديداً حق التعليم باللغة الأم، كواحدة من أبرز القضايا التي تتطلب معالجات دستورية وقانونية جذرية. وفي هذا السياق، تتباين الآراء حول مدى توفر الإرادة السياسية الحقيقية لدى الأطراف السورية لترجمة الاعتراف النظري بالتنوع إلى واقع ملموس، يعالج آثار عقود من التهميش.

السياسي ديرسم العلي: الانتقال إلى التشريعات التنفيذية والرقابة المستقلة
آليات التطبيق وتجاوز الإقرار النظري
يرى السياسي ” ديرسم العلي “أن ضمان حق التعليم باللغة الكوردية يتطلب انتقالاً حاسماً من مجرد الاعتراف المبدئي إلى إقرار ضمانات دستورية وقانونية ملزمة. ويؤكد العلي أن البداية تكمن في النص صراحةً على أن الكوردية لغة وطنية رسمية إلى جانب العربية، مع كفالة حق المواطنين الكورد في تعلمها والتعليم بها في كافة المراحل.
ويشدد العلي على أن النصوص العامة غير كافية، بل يجب ترجمتها إلى “تشريعات تنفيذية” تحدد مسؤوليات الدولة في إعداد المناهج، وتأهيل المعلمين، وتخصيص الموارد المالية. ويقترح إنشاء هيئة مستقلة لمتابعة تنفيذ الحقوق اللغوية وتلقي الشكاوى، مع ضرورة أن تكون هذه الحقوق قابلة للإنفاذ القضائي.
تقييم الإرادة السياسية السورية
يشكك العلي في إمكانية تقييم الإرادة السياسية بناءً على التصريحات المعلنة فقط، مشيراً إلى أن المعيار الحقيقي هو الاستعداد لترجمة هذا الاعتراف إلى ضمانات دستورية وممارسات ملموسة. ويضيف أن الإرادة تظهر بوضوح عند الاعتراف بالكورد كمكون أصيل، بعيداً عن عقلية الإنكار أو اعتبار المطالب المشروعة تهديداً للوحدة، مؤكداً على أهمية الشراكة الفعلية في صياغة الدستور وحظر التمييز على أساس القومية أو اللغة.
تداعيات التهميش وسبل المعالجة
عن آثار الماضي، يوضح العلي أن تهميش اللغة الكوردية وسياسات إنكار الهوية عمقت فجوة الثقة بين المجتمع الكوردي ومؤسسات الدولة، وأضعفت الشعور بالمواطنة والانتماء. وللخروج من هذه الأزمة، يطالب بمسار متكامل يشمل: الاعتراف الدستوري الصريح، إلغاء القوانين التمييزية، اعتماد سياسات جبر الضرر الثقافي، وتوفير ضمانات تحول دون تكرار سياسات الإقصاء.

من المراسيم المؤقتة إلى التثبيت الدستوري
من جانبه، اكد السياسي خبات شاكر ضرورة الاعتراف الدستوري الصريح بالكوردية كلغة وطنية رسمية في المناطق ذات الغالبية الكوردية. ويتوقف شاكر عند “المرسوم الرئاسي رقم ١٣” (الصادر في يناير ٢٠٢٦) الذي اعترف باللغة الكوردية وأجاز تدريسها، معتبراً إياه خطوة إيجابية، لكنه يحذر من الاكتفاء به؛ فالمراسيم قابلة للتغيير ولا تغني عن “التثبيت الدستوري”.
ولتحقيق ذلك واقعياً، يطرح شاكر آليات محددة تشمل:
التثبيت الدستوري الصريح لحق التعليم باللغة الأم.
ضمان تدريس المواد الأساسية بالكوردية من الصف الأول حتى الجامعة في مناطق التواجد الكوردي.
تأهيل الكوادر التعليمية وتوفير المناهج.
توفير الضمانات القانونية والمالية.
وضع خطة انتقالية تحمي المستقبل الأكاديمي للطلاب الذين درسوا بالكوردية في السنوات الماضية.
غياب الإرادة المكتملة وتحديات التوافق
لا يجزم شاكر بوجود إرادة سياسية متكاملة لدى الأطراف السورية للاعتراف الدستوري الملزم بالتعددية. ويشير إلى أن التطورات العملية، مثل محدودية الحصص المخصصة للغة الكوردية، تكشف الفجوة بين الاعتراف المبدئي والواقع. ويدعو السلطات الانتقالية لإثبات نيتها في بناء دولة ديمقراطية تعددية، كما يطالب القوى الكوردية بتوحيد موقفها وبناء تحالفات وطنية لتحقيق مطالبها.
معالجة جذور التهميش وإعادة بناء الثقة
يعتبر شاكر أن التهميش اللغوي كان جزءاً من أزمة أعمق في بنية الدولة السورية المركزية التي لم تحترم التنوع. ويؤكد أن المواطنة المتساوية تعني المساواة في الحقوق واحترام الهوية واللغة. وللتعافي من هذه الحقبة، يطرح شاكر خطة إصلاحية تتضمن: صياغة دستور جديد يعترف بالتعددية، تحقيق الإنصاف اللغوي، إصلاح مؤسسات الدولة لإنهاء التمييز، توسيع الإدارة المحلية، وإطلاق حوار وطني جاد.
ويختتم شاكر موقفه بالتأكيد على أن المطالبة بالحقوق الدستورية لا تعني تقسيم سوريا، بل إن الوحدة الحقيقية تُبنى بالاعتراف المتبادل، وأن القضية الكوردية هي قضية “مواطنة وشراكة وطنية” تحتاج إلى حل سياسي ودستوري عادل.
إن قضية التعليم باللغة الكوردية تتجاوز كونها مطلباً ثقافياً لتصبح اختباراً حقيقياً للإرادة السياسية السورية، ومدى جديتها في صياغة عقد اجتماعي جديد؛ عقدٌ يطوي صفحة الإقصاء، ويرسخ مبدأ المواطنة المتساوية، ويجعل من التنوع القومي واللغوي ركيزة لشراكة وطنية حقيقية تضمن وحدة البلاد واستقرارها على أسس ديمقراطية متينة ومستدامة.
اميرة ابراهيم
