بقلم الكاتب الصحفي : رائد محمد
يتساءل الشارع الكوردي، وبالأخص من داخل أوساط الشباب اليوم، عن مستقبل المجلس الوطني الكوردي، وعن مدى امتلاكه الإرادة لتجديد نفسه قبل فوات الأوان. فمع اقتراب انعقاد مؤتمره العام، وفي ظل التحولات السياسية المتسارعة في سوريا والمنطقة، يجد المجلس نفسه أمام استحقاق يتطلب مراجعة جادة لتجربته التنظيمية والسياسية، بعيداً عن الحسابات الحزبية الضيقة.
لم يعد السؤال مقتصراً على كيفية التنسيق بين الأحزاب المنضوية تحت مظلة المجلس، بل بات يتعلق بجدوى استمرار التشتت التنظيمي، ومدى قدرة الصيغة الحالية على تحقيق تطلعات الشارع الكوردي والدفاع عن حقوقه القومية والسياسية.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يحتاج المجلس إلى تطوير آليات التنسيق بين أحزابه، أم أن المرحلة تقتضي الانتقال نحو صيغة حزبية موحّدة، بهيكلية حديثة وبرنامج سياسي واضح وقيادة متجددة؟
إن طرح فكرة الحزب الموحّد لا يعني بالضرورة إلغاء التعددية السياسية داخل المجلس أو تجاهل خصوصية مكوناته، بل يستدعي نقاشاً جدياً حول مستقبل بنيته التنظيمية، والخيارات المتاحة أمامه. فالوحدة المطلوبة لا تتحقق بمجرد جمع الأحزاب تحت سقف واحد، وإنما ببناء مؤسسة سياسية قادرة على توحيد القرار (العمل على توحيد الرؤية في القرارات المصيرية)، وتنظيم العمل، وتوسيع المشاركة، مع ضمان التعددية الديمقراطية داخلها.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ظل احتمالات التغيّر في القوانين الناظمة للحياة السياسية في سوريا، وما قد تفرضه المرحلة المقبلة من استحقاقات انتخابية وتنظيمية. ومن الضروري أن تستعد القوى السياسية الكوردية لهذه التحولات منذ الآن، بدلاً من انتظار وقوعها ثم محاولة التعامل معها بأدوات الماضي.
ولعل تجربة الجبهة الكوردستانية في إقليم كوردستان العراق تقدّم مجالاً مهماً للدراسة، من حيث أهمية التنسيق بين القوى الكوردستانية وتوحيد جهودها في مراحل مفصلية. ومع اختلاف الظروف السياسية والقانونية بين إقليم كوردستان وسوريا، فإن الدرس الأساسي يتمثل في ضرورة البحث عن صيغ عمل مشترك تعزز التمثيل السياسي وتحافظ على المصالح القومية العليا.
لكن المشكلة لا تكمن في تعدد الأحزاب وحده، بل في مدى قدرتها على إدارة اختلافاتها وتحويلها إلى مصدر قوة. فالمجلس الوطني الكوردي، الذي يستند إلى إرث سياسي ونضالي طويل ويرتبط مشروعه القومي بنهج البارزاني الخالد، مطالب اليوم بتطوير أدوات عمله وتوسيع قاعدته المجتمعية، بما يتناسب مع تطلعات الأجيال الجديدة ومتطلبات المرحلة المقبلة.
فالشارع الكوردي أوسع من الأطر الحزبية، وهناك قطاعات كبيرة من المجتمع غير المنضوية في الأحزاب، لكنها معنية بمستقبل القضية الكوردية وتبحث عن مشروع سياسي جامع، ورؤية واضحة للحقوق القومية والديمقراطية، وبرنامج يتناول قضايا التعليم والخدمات والتنمية والحريات والمشاركة السياسية.
لذلك، فإن تجديد المجلس لا ينبغي أن يقتصر على إعادة ترتيب علاقاته الداخلية، بل يجب أن يشمل مراجعة أساليب العمل السياسي، وتعزيز التواصل مع المجتمع، والاستفادة من التكنولوجيا ووسائل التواصل الحديثة، وإشراك الشباب والمرأة والكفاءات المستقلة في صناعة القرار.
فالثقة الشعبية لا تُكتسب بمجرد تغيير الأسماء أو الهياكل التنظيمية، بل تُبنى من خلال الممارسة السياسية والشفافية والمحاسبة، والقدرة على تقديم مشروع واقعي يستجيب لاحتياجات الناس وتطلعاتهم.
هل تترجّل القيادات التاريخية لصالح جيل جديد؟
يظل تجديد القيادة أحد أبرز التحديات التي تواجه المجلس الوطني الكوردي. فهل تمتلك القيادات التاريخية الشجاعة السياسية لإفساح المجال أمام جيل جديد، أم ستبقى المواقع القيادية أسيرة التوازنات الحزبية والحسابات التقليدية؟
إن طرح هذا السؤال لا يستهدف الأشخاص، ولا ينكر ما قدمته القيادات التاريخية خلال سنوات طويلة من العمل السياسي، بل ينطلق من ضرورة التمييز بين احترام التجربة السياسية والتمسك الدائم بالمواقع القيادية.
فالمرحلة الراهنة تحتاج إلى الاستفادة من خبرات القيادات السابقة، بالتوازي مع فتح المجال أمام الكفاءات الشابة، وإرساء آليات ديمقراطية واضحة لتداول المسؤولية وتجديد الهيئات القيادية.
إن القيادة الحقيقية لا تُقاس بمدة البقاء في الموقع، بل بالقدرة على بناء مؤسسة تستطيع الاستمرار والتطور، حتى بعد انتقال المسؤولية إلى أجيال جديدة.
والتجديد لا يعني القطيعة مع الماضي، كما أن احترام التاريخ لا يعني البقاء أسيراً له.
ومن هنا، ينبغي أن يكون المؤتمر العام المرتقب فرصة لمراجعة التجربة وتقييم الأداء، لا مجرد محطة لإعادة توزيع المواقع بين الأحزاب. فالمطلوب رؤية سياسية وتنظيمية جديدة، تضع الكفاءة والمشاركة والمحاسبة في صلب العمل المؤسسي، وتمنح الشباب دوراً حقيقياً في رسم مستقبل المجلس.
فرصة تاريخية أم تكرار لأخطاء الماضي؟
قد تحمل المرحلة المقبلة تحولات سياسية وقانونية مهمة في سوريا، لكنها ستفرض أيضاً تحديات كبيرة على القوى السياسية الكوردية، ولا سيما فيما يتعلق بقدرتها على التنظيم والتمثيل والتأثير في صياغة مستقبل البلاد.
وفي ظل هذه المتغيرات، يصبح من الضروري فتح نقاش صريح داخل المجلس الوطني الكوردي حول مستقبله التنظيمي، ودراسة إمكانية التحول إلى حزب سياسي موحّد، أو تطوير صيغة مؤسساتية مشتركة تضمن وحدة القرار السياسي وفاعلية العمل، مع الحفاظ على التعددية الديمقراطية واحترام الاختلافات الداخلية.
ويجب أن يقوم أي مشروع للتوحيد على إرادة سياسية حقيقية، وبرنامج جامع، ونظام داخلي ديمقراطي، وآليات واضحة لاتخاذ القرار والمحاسبة، لا على فرض رؤية حزب على بقية الأحزاب أو إعادة إنتاج المحاصصة الحزبية بصيغة جديدة.
فالتحدي الحقيقي أمام المجلس لا يتمثل في اختلاف الآراء، بل في العجز عن إدارة هذا الاختلاف، وفي استمرار الانقسامات التي تستنزف الطاقات وتضعف الثقة الشعبية وتحدّ من القدرة على التأثير السياسي.
إن القضية الكوردية أكبر من أي حزب أو قيادة، ومستقبلها يتطلب مؤسسات قادرة على مواكبة التحولات، والاستفادة من الخبرات المتراكمة، وفتح المجال أمام الكفاءات الجديدة، والعمل على أساس المصالح القومية المشتركة.
فهل يمتلك المجلس الوطني الكوردي الجرأة لاتخاذ قرارات تاريخية تضع مصلحة الشعب والقضية فوق الاعتبارات الحزبية والشخصية؟ وهل يكون مؤتمره المقبل بداية حقيقية للتجديد التنظيمي والسياسي، أم محطة أخرى تُضاف إلى سجل الفرص الضائعة؟
إن الإجابة لن تكون في البيانات والشعارات، بل في القرارات التي ستُتخذ، والآليات التي ستُعتمد، والاستعداد الفعلي لبناء مشروع سياسي أكثر وحدة وفاعلية، قادر على استيعاب تطلعات المجتمع الكوردي والدفاع عن حقوقه في سوريا.
فإما أن ينجح المجلس الوطني الكوردي في تجديد نفسه وتطوير بنيته وتوسيع قاعدته الشعبية، وإما أن يواجه خطر تراجع دوره وتأثيره في مرحلة لا تنتظر المترددين.
