بقلم الإعلامية : ملك دميرتاش
تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولاً استراتيجياً متسارعاً يضعها أمام مفترق طرق تاريخي؛ فبينما تقف المنطقة على حافة “سيناريو الجحيم” جراء التصعيد المستمر بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، جاءت تحركات “حلف مكة” الدفاعي (الذي يضم السعودية، تركيا، وباكستان) والتقارب الأخير مع طهران لتحدث صدمة كهربائية في موازين القوى الإقليمية.
أولاً: من الثلاثي إلى الرباعي.. اختراق طهران وحسابات “حلف مكة”
تشكلت “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد على قاعدة الردع الجماعي. لكن التطور الدراماتيكي الأحدث تمثّل في زيارة الوفد الثلاثي الرفيع (بقيادة وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، ورئيس الاستخبارات التركي إبراهيم قالن، ورئيس الأركان الباكستاني عاصم منير) إلى طهران، واللقاء بالرئيس مسعود بزشكيان وقيادات المجلس الأعلى للأمن القومي.
تصريحات وزير الدفاع والمسؤولين الإيرانيين عقب الاجتماع لم تكن مجرد مجاملات دبلوماسية، بل عكست تحولاً جوهرياً:
الأمن الذاتي الإقليمي: التأكيد على أن أمن المنطقة يجب أن يُبنى بإرادة دولها وبمعزل عن أي تدخلات أو قواعد أجنبية.
التقاء المصلحة الاستراتيجية: رغم أجواء الحذر ولغة الجسد المشدودة بين الأطراف، فرض واقع الخطر المشترك تفاهمات لخفض التصعيد وتجنب ضرب المنشآت الحيوية وخطوط الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
فتح الباب للتنسيق الدفاعي: أظهرت إيران رغبة صريحة في عدم البقاء خارج هذا التكتل الإقليمي، مراهنةً على القوة العسكرية للثلاثي (المال السعودي، التكنولوجيا والعضوية في الناتو لتركيا، والردع النووي الباكستاني) لصياغة مظلة أمنية تقيها ضربة أمريكية-إسرائيلية وشيكة.
ثانياً: فزع في تل أبيب وتوتر مكتوم في واشنطن
لم تمر مخرجات اجتماع طهران وإشارات انضمام أو تنسيق إيران مع “حلف مكة” مرور الكرام في وسائل الإعلام العبرية والدوائر السياسية في إسرائيل والولايات المتحدة:
الهستيريا العبرية: تنظر إسرائيل ببالغ القلق إلى تشكّل هذا المحور الإقليمي الضخم. بالنسبة لتل أبيب، فإن غياب الخلافات المذهبية أمام توافق دول كبرى مثل السعودية وتركيا وباكستان وإيران يعني سحب بساط “استراتيجية الفرق تسد”، وإجهاض مساعيها لتوجيه ضربة قاضية للبنية التحتية الإيرانية دون تداعيات إقليمية.
الحذر الأمريكي: واشنطن تحاول تقاسم الأعباء الأمنية، لكن تقارب حلفائها التقليديين (الرياض وأنقرة وإسلام آباد) مع طهران يحدّ من قدرتها على استخدام القواعد العسكرية في الخليج لمهاجمة إيران، ويضع قيوداً صارمة على أي سيناريو عسكري أمريكي مباشر.
ثالثاً: مواجهة “سيناريو الجحيم” وتثبيت قواعد اللعبة
الهدف الأساسي لدول “حلف مكة” ليس الدخول في مواجهة مفتوحة مع الغرب، بل فرملة قطار الحرب الشاملة. فالسعودية تركز على مشاريعها التنموية وتفضّل الردع والحوار، وتركيا وباكستان تدركان أن شظايا الانفجار الكبير ستطال الجميعالخلاصة: صدمة كهربائية لواقع الشرق الأوسط
إن تحرك “حلف مكة” نحو طهران يُعد بمثابة صدمة كهربائية لإحياء البنية الأمنية الإقليمية. نجاح هذا المحور لن يتوقف عند حد تصريحات قمة طهران، بل يعتمد على قدرة الدول الأربع على بناء آليات عملانية موثوقة لحل الملفات العالقة (مثل الملف اليمني واللبناني)، وتحويل “الردع الجماعي” إلى حائط صد يمنع جر الشرق الأوسط نحو محرقة الصراع الشامل.
