بقلم الكاتب : ديرسم العلي
القضية الكوردية واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في الشرق الأوسط. شعبٌ موزع جغرافيًا بين عدة دول، حُرم في مراحل مختلفة من حقوقه القومية والسياسية والثقافية، وتحولت قضيته في كثير من الأحيان إلى ورقة تستخدمها القوى الإقليمية والدولية في صراعاتها. ومع التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة، ظهر سؤال أكثر إثارة للجدل: هل كان الكورد ضحايا لما عُرف بمشروع «الفوضى الخلاقة»؟
مصطلح «الفوضى الخلاقة» ارتبط بصورة خاصة بالنقاشات السياسية الأمريكية خلال سنوات إدارة جورج بوش الابن، وخصوصًا في سياق الحديث عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط. وبغض النظر عن مدى دقة استخدام المصطلح لوصف كل ما جرى في المنطقة، فإن الحروب والانقسامات التي أعقبت غزو العراق عام 2003، ثم أحداث «الربيع العربي» والحرب السورية، أطلقت تحولات عميقة غيّرت موازين القوى وفتحت الباب أمام لاعبين جدد.
في العراق، كان سقوط نظام صدام حسين نقطة تحول تاريخية بالنسبة إلى الكورد. فقد انتقلت إقليم كردستان من وضع سياسي شديد الصعوبة إلى كيان يتمتع بحكم ذاتي واسع، ثم أصبح الإقليم بعد دستور 2005 جزءًا معترفًا به دستوريًا من النظام الاتحادي العراقي. ومن هذه الزاوية، لا يمكن القول إن التحولات الدولية كانت كارثة على الكورد وحدهم؛ فقد وفرت لهم أيضًا فرصة سياسية لم تكن متاحة في السابق.
لكن الصورة لم تكن بهذه البساطة.
فالفوضى التي ضربت العراق أدت كذلك إلى صراعات داخلية وطائفية وإقليمية، وأصبح الإقليم الكوردي محاطًا بتوازنات حساسة. ثم جاءت أزمة الاستفتاء على استقلال كردستان عام 2017 لتكشف حدود الدعم الدولي. فقد بدا واضحًا أن القوى الكبرى التي تعاونت مع الكورد في مراحل معينة لم تكن مستعدة بالضرورة لدعم مشروع استقلالهم عندما تعارض ذلك مع مصالحها أو مع حسابات دول المنطقة.
وفي سوريا، تكرر جانب آخر من المشهد. فقد أدت الحرب السورية إلى انهيار جزء كبير من سلطة الدولة في مناطق واسعة، وتمكنت القوى الكوردية من بناء إدارة ذاتية في شمال وشرق البلاد، كما لعبت قوات كوردية دورًا رئيسيًا في الحرب ضد تنظيم «داعش» بدعم من الولايات المتحدة والتحالف الدولي.
غير أن هذا الدعم كان محكومًا بمنطق المصالح. فواشنطن احتاجت إلى شريك محلي فعال في مواجهة تنظيم «داعش»، بينما كانت تركيا تنظر إلى بعض القوى الكوردية السورية باعتبارها تهديدًا لأمنها القومي. وهكذا وجد الكورد أنفسهم مرة أخرى في قلب صراع أكبر منهم، يتلقى فيه طرف الدعم من قوة دولية، بينما يواجه ضغوطًا من قوة إقليمية أخرى.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية.
إذا كان الكورد قد استفادوا في بعض المراحل من انهيار الأنظمة المركزية، فإنهم في الوقت نفسه أصبحوا أكثر تعرضًا لتقلبات السياسة الدولية. فالقوى الكبرى لا تتحرك عادةً وفق المبادئ وحدها، بل وفق مزيج من المصالح الأمنية والاستراتيجية والاقتصادية والجيوسياسية. ولذلك قد يكون الحليف الذي يقدم الدعم اليوم هو نفسه الطرف الذي يعيد حساباته غدًا.
لكن تحميل «الفوضى الخلاقة» وحدها مسؤولية المأساة الكوردية سيكون تبسيطًا مخلًا.
فالقضية الكوردية سبقت هذا المصطلح بعشرات السنين. جذورها تعود إلى انهيار الإمبراطورية العثمانية، وترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى، وقيام دول قومية جديدة لم تُحل فيها المسألة الكوردية بصورة عادلة. كما أن الحكومات الإقليمية، من بغداد إلى أنقرة وطهران ودمشق، لعبت أدوارًا أساسية في السياسات التي أثرت في حياة الكورد، سواء عبر القمع أو التهجير أو محاولات استيعاب الهوية الكوردية أو منع قيام كيان سياسي كوردي مستقل.
كذلك لا يمكن تجاهل مسؤولية القوى السياسية الكوردية نفسها. فالانقسامات بين الأحزاب والحركات الكوردية، والتنافس على النفوذ، والخلافات بين المشاريع السياسية، جعلت القضية في بعض الأحيان أكثر هشاشة أمام التدخلات الخارجية. وكلما انقسمت القوى المحلية، ازدادت قدرة القوى الإقليمية والدولية على توظيف هذا الانقسام لمصلحتها.
لذلك، ربما يكون السؤال الأدق ليس هل الكورد ضحايا الفوضى الخلاقة؟ بل ، إلى أي مدى تحولت القضية الكوردية إلى جزء من الفوضى التي أعادت تشكيل الشرق الأوسط؟
الجواب يبدو أكثر تعقيدًا من نعم أو لا.
الكورد كانوا في بعض الحالات ضحايا للصراعات التي لم يكونوا أصحاب القرار فيها، لكنهم كانوا أيضًا فاعلين سياسيين استطاعوا استثمار بعض التحولات لصالحهم. ففي العراق، تحولت منطقة الحكم الذاتي إلى تجربة سياسية ومؤسساتية مهمة. وفي سوريا، تمكنت القوى الكوردية من فرض نفسها لاعبًا لا يمكن تجاهله. وفي المقابل، دفعت المجتمعات الكوردية ثمنًا باهظًا للحروب والنزوح والانقسامات والتدخلات العسكرية.
وهذا يقود إلى حقيقة أساسية: القوى الدولية لا تمنح الشعوب حقوقها مجانًا، ولا تحمي حلفاءها بالضرورة عندما تتغير مصالحها.
لقد أثبت التاريخ الحديث أن الكورد يمكن أن يصبحوا حليفًا استراتيجيًا في لحظة، ثم يتحولوا إلى ملف تفاوضي في لحظة أخرى. ولذلك فإن الرهان على الخارج وحده يحمل مخاطر كبيرة. الدعم الدولي قد يكون مهمًا، لكنه لا يستطيع أن يكون بديلًا عن بناء توافق كوردي داخلي، ومؤسسات سياسية قوية، وعلاقات متوازنة مع دول المنطقة.
وفي النتيجة فإن وصف الكورد بأنهم «ضحايا الفوضى الخلاقة» يحتوي على جزء من الحقيقة، لكنه لا يفسر الحقيقة كلها. لقد تأثر الكورد بشدة بالفوضى التي عصفت بالشرق الأوسط، وربما استفاد بعض الفاعلين الكورد من انهيار أنظمة قديمة، لكنهم دفعوا أيضًا أثمانًا باهظة نتيجة صراعات دولية وإقليمية لم تكن لهم السيطرة عليها.
إن المأساة الحقيقية ليست فقط في أن الكورد وجدوا أنفسهم وسط لعبة دولية معقدة، بل في أن قضيتهم تحولت مرارًا إلى ورقة تفاوض تستخدمها الدول عندما تخدم مصالحها، ثم تُهمَل عندما تتغير الحسابات.
ولهذا، فإن الدرس الأهم للكورد ليس انتظار «الفوضى» القادمة أو البحث عن قوة دولية تتبنى قضيتهم، وإنما بناء مشروع سياسي واقعي يستطيع التعامل مع المتغيرات دون أن يتحول الشعب الكوردي إلى مجرد أداة في صراعات الآخرين.
فالتاريخ لا يكتبه الأقوياء وحدهم؛ بل تستطيع الشعوب التي تمتلك وعيًا سياسيًا ومؤسسات قوية وتماسكًا داخليًا أن تحول حتى أكثر المراحل اضطرابًا إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل.
