
بقلم: كوردستان يوسف
ربما يبدو السؤال ساذجاً، أو بديهياً إلى درجة لا تستحق الطرح، ولكن وفي ظل أزمة القراءة الجادة التي نعيشها اليوم، يأتي السؤال كتنبيه ودعوة للتفكر في علاقتنا مع الكتاب، فلماذا نقرأ؟ وماذا نقرأ؟ سؤالان يتداخلان ليشكلا هويتنا الثقافية، بل وجودنا الفكري.
نقرأ لأن القراءة ليست مجرد نشاط ترفيهي نمارسه لقتل الوقت، بل هي حوار مع العقول عبر الزمان والمكان، وهي النافذة التي نطل منها على عوالم الآخرين وتجاربهم وأفكارهم، نقرأ لنتعرف على أنفسنا بشكل أعمق، ففي كل كتاب نقرؤه نكتشف جزءاً من ذاتنا لم نكن نعرفه، نقرأ لأن الكلمات المطبوعة تحمل في طياتها خلاصة تجارب بشرية متراكمة، تمنحنا القدرة على رؤية الحياة بعيون الآخرين، فالقراءة فعل تمرد على حدود الزمان والمكان، فبين دفتي كتاب يمكنك أن تعيش في حضرة الأساطير، وأن تحاور فلاسفة اليونان، وأن ترافق ثوار باريس، وأن تبكي مع مكسيم غوركي في رواية “الأم”، وأن تتألم مع باڤي نازي في “جبال مروية بالدم”، إنها السفر المجاني الذي لا يحتاج تأشيرة، فهناك من يقرأ للمتعة، وهناك من يقرأ للمعرفة، وهناك من يقرأ ليهرب من واقعه إلى عوالم أكثر رحابة، لكن القراءة الحقيقية هي تلك التي تغير فينا شيئاً..التي تترك أثراً لا يمحى في طريقة تفكيرنا، التي تجعلنا نرى العالم بشكل مختلف.
لكل عمر قراءته، وما يناسبه من كتب وصحافة ومواقع، فالطفل يقرأ القصص المصورة، ويبحث عن المغامرات والخيال، والشاب يتوق إلى الروايات العاطفية والاجتماعية، والناضج يميل إلى الفلسفة والتاريخ والفكر، هذا على المستوى العام، أما على المستوى الخاص فلكل منا تخصصاته واهتماماته، وهناك قراء للروايات العاطفية، وآخرون للروايات الاجتماعية وثالثة للفلسفة، ورابع للشعر، وخامس للأبحاث التاريخية، وسادس للدراسات في الجغرافيا السياسية، وسابع للآداب واللغات والثقافة والتراث، وآخر يقرأ كل ماسبق، حيث كانت القراءة وما زالت، المصدر أو النبع الأول لثقافتنا، سواء كتب التراث والتأليف المكتوبة بلغات نتقنها، كالعربية والكوردية، أو الكتب المترجمة لآداب عالمية.
كانت الكتب المقدسة ربما من أكثر الكتب قراءة والأكثر حضوراً في كل بيت، أذكر جيداً أن القرآن كان الكتاب الوحيد في بيتنا، إلى جانب كتب أخوتي المدرسية والجامعية، وبعض الروايات الرائجة في الثمانينات وأوائل التسعينيات رواية “الأم” للروائي مكسيم غوركي، و”البؤساء” للفرنسي فيكتور هوغو، و”جبال مروية بالدم” للروائي الكوردي باڤي نازي، و”الجندب الحديدي” للروائي الكوردي سليم بركات، إلى جانب دواوين شعر الشاعر الفلسطيني محمود درويش، وشاعر الكورد المعروف جكر خوين. وكانت هناك كتب جبران خليل جبران، ومعلقات الشعر العربي، وإلى جانبها كتب في الماركسية، والسياسة، ومجلات مثل “الموعد” و”الشبكة” و”طبيبك” و”أنباء موسكو” و”المدار”، ومناشير حزبية لأحزاب كردية محظورة، وضمن هذه البيئة المتنوعة تفتحت عيناي على الثقافة والأدب والسياسة، واستمرت الكتب تتدفق وتزداد، وتزداد معها قراءتي، حتى استهوتني الروايات والقصص وكتب الشعر والفكر، وخاصة كتب نوال السعداوي وغيرها مثل روايات نجيب محفوظ ورواية سوبارتو للكاتب حليم يوسف ابن بيئتنا ولغتنا، وكان التنوع هو السمة الأبرز، فالقراءة لم تكن محصورة في مجال واحد، بل كانت رحلة استكشاف دائمة.
هناك مقولة تقول: “قل لي ماذا تقرأ.. أقل لك من أنت”. فالكتب التي نختارها تعكس اهتماماتنا، وتكشف عن طباعنا، وتحدد موقعنا من الأفكار والتيارات، فقارئ الفلسفة يختلف عن قارئ الروايات الرومانسية، ومتابع الشعر يختلف عن دارس التاريخ، وليس من حيث القيمة فقط بل من حيث طريقة النظر إلى العالم، وفي الوقت الحالي أجد الجيل يبتعد عن الكتاب والقراءة الجادة إلى صفحات النت، ومتابعة ما تقع عينيه عليه من مقالات ومنشورات عابرة، وينتابني شعور بالحزن والقلق معاً، فلست ضد التكنولوجيا والتطور، ولست ضد متابعة الجديد عبر شبكة الإنترنت ومتابعة وسائل التواصل الاجتماعي، وأنما أنا أيضاً أقضي الكثير من وقتي في متابعة المنشورات، والكتابة والنشر عبر الإنترنت التي تمنحنا فرصة التعرف على ردود فعل سريعة حول ما نكتب، لكن المشكلة ليست في الوسيط، بل في المحتوى وفي طريقة التعامل معه، فالقراءة الجادة تتطلب تركيزاً وتأملاً وتتطلب العودة إلى النص، وإعادة قراءته، والتأمل في معانيه، أما تصفح الإنترنت فغالباً ما يكون سطحياً، سريعاً وعابراً.. نقرأ العنوان وربما أول سطرين، ثم ننتقل إلى الخبر التالي أو المنشور التالي، ونبتلع كميات هائلة من المعلومات، لكننا لا نهضمها.
الأمر الآخر هو نوعية المواد التي نقرأها، ففي السابق كان الكتاب يمر بمراحل من التحرير والتدقيق والمراجعة قبل أن يصل إلى القراء ،وكان هناك نوع من “الفلترة” التي تضمن جودة المحتوى، أما اليوم فكل منا أصبح ناشراً، وكل منا يكتب ما يشاء، دون رقيب أو محرر، وبين هذا الكم الهائل من المنشورات تضيع المواد الجادة، وتختفي الكتب القيمة تحت وابل من المحتوى السطحي، فما نحتاجه اليوم ليس التخلي عن التكنولوجيا بل التوفيق بين القديم والجديد، وأن نستفيد من وسائل التواصل للتعريف بالكتب، ولتبادل الآراء حولها، ولخلق مجتمعات افتراضية للقراء، وفي الوقت نفسه أن نحافظ على عادة القراءة المتأنية للكتب الورقية، أو حتى الإلكترونية، بشرط أن تكون قراءة متعمقة، ونحتاج أيضاً إلى توجيه الأجيال الجديدة نحو القراءة الجادة، ليس عبر الإجبار والإكراه، بل عبر التحبيب والقدوة ومن خلال المنهاج المدرسي ومبادرات تشجيع اقتناء الكتب والمطالعة، وأن نريهم كيف غيرتنا الكتب، وكيف شكلت وعينا، وكيف وسعت آفاقنا، وذلك عبر منتديات وفعاليات وحوارات بين القراء من جيلنا والجيل الجديد، ونعرفهم بنماذج ناجحة من القراء والمثقفين والمثقفات الجادات وتشجيع الأمهات الجدد على أهمية أن يكون في بيوتهم مكتبة خاصة لأفراد العائلة، وأن نشجعهم على التنويع في قراءاتهم، على ألا يكتفوا بنوع واحد من الكتب، بل يجربوا في الرواية والشعر والفلسفة والتاريخ.
القراءة الحقيقية هي تلك التي تجعلنا أكثر تسامحاً، وأكثر فهماً للآخر، وأكثر قدرة على النقد والتحليل، هي التي تخرجنا من قوقعة الذات إلى رحابة العالم، وهي التي تجعلنا نرى أنفسنا في الآخر، ونرى الآخر في أنفسنا..
لماذا نقرأ؟
لأننا نريد أن نفهم الحياة بشكل أفضل..
وماذا نقرأ؟
نقرأ كل ما يثري عقولنا، ويغذي أرواحنا، ويوسع مداركنا، ونقرأ الكتب التي تجعلنا نبكي ونضحك، نفرح ،ونحزن، ونتأمل، ونتعلم، نقرأ الكتب التي تمنحنا أسئلة جديدة، أكثر من تلك التي تقدم لنا إجابات جاهزة في زمن السرعة والعجلة.
ربما تكون القراءة الجادة آخر معاقل التأمل والعمق، فلنتمسك بها، ولننقل حبها لأطفالنا، ولنخلق مجتمعاً قارئاً قادراً على مواجهة تحديات العصر بوعي وفهم. فالقراءة ليست مجرد هواية، بل هي أسلوب حياة.