
عبدالوهاب بيراني
“لم أفكر يوماً أن أغدو شاعراً. لا أدري بالضبط من أين جاءت هذه المصيبة، كنتُ مهتماً إلى أبعد حد باللغة الكوردية، وأتفاخر بقدرتي على كتابتها وقراءتها، لكن الشعر، تحديداً، بدأ كما أتصور مع بداية صداقتي مع محمد نور الحسيني”
بهذا الاعتراف العاري، الذي يختزل دهشة الولادة وعبثية المصادرة، يطل علينا أحمد حسيني من نافذة البدايات، وكأن الشعر ليس اختياراً، بل نزقاً يصيب الروح كحمى عابرة، أو لعنة تتربص بالذاكرة، هكذا تولد القصائد من رحم المصادفة، أو ربما من نزق الروح التي تبحث عن ضوئها في عتمة اللغة.
في عراء تلك الجغرافية الحدودية، حيث تختلط رائحة البارود بنكهة الزبيب والباستيق والتبغ، هناك بين الـ “بنخط” والـ “سرخط”، كانت عامودا تلد شعراءها دون قابلات.. تلك المدينة التي نزفت بحكايا القاجاغجين (المهربين)، واحتضنت في أحشائها ذاكرة متخمة بالحكايات، كانت المهد الأول لطفولة أحمد حسيني الشعري. هو ابن هاتيك الأرض وطفل بيادرها، يسند رأسه إلى حجارة طوروس حيث بياض اللبن ووفرة الجبن وازدحام المجاذيب في الدروب، كان الطافح بكرديته، المترع بدلالات لا تنضب، الطاعن بعشق غزالات غادرت سهوب الجغرافيا، المرتهنة للانقراض، الباحث عن مفردات لغته في بوح مغنٍ شعبي، أو من جملة عابرة رماها أحدهم في الطريق، أو من استلهامات حكايا روتها الأمهات في ليالٍ مسهدة.
يحمل شغفاً قديماً، وينوء ظهره بجغرافية فرض عليها التاريخ أحداثاً دراماتيكية متواصلة: من بياندورها إلى سينماها، من حرائقها وعويل أمهاتها إلى بذخ مكتباتها السرية، وشيوعيها ورجالاتها الكورد، وهمهمات مجانينها، وملاليها ومتصوفيها الذين مهدوا الدروب الوعرة بالصرف والنحو والإنشاء والترجمة، وأعادوا تفسير وتحرير النصوص القديمة، ومن رائحة تلك الكتب المضمخة بالتراث، الهائمة في تضاريس اللغات، كانت مخاضات الولادة لكتاب ورواة شعراء، تنكبوا مناكب الأرض شرقاً وغرباً، امتهنوا مهناً كثيرة، وعرفوا لوعة الغربة وملذاتها معاً. أولئك الذين امتطوا جيادهم ومضوا نحو المغتربات والمنافي، غادروا المكان، لكن بقيت بصمة المكان ورائحته عصية على المغادرة
هل من السهولة امتطاء صهوة الشعر؟ وكيف كان لهذا الفارس أن يروض قصيدة الشعر الكلاسيكية، وأن يحول أسمال لهجة محكية إلى أثواب مطرزة، وإلى نصوص عميقة المعنى، متينة المبنى؟ لن نجيب على السؤال، وإنما نمضي معه نحو البدايات، فقد كان ميله إلى السخرية عاملاً جمعياً، وراثياً، تصبغت به عامودا، وممارسة للسياسة في حدود شغبها الأول
كانت صداقته ومجايلته لجيل يكتب الشعر بالعربية المؤثر المباشر في اعتناقه الكتابة الشعرية، هذا من جانب، ومن جانب آخر كانت قراءاته وتعمقه في اكتشاف ذاته وممارسته الحفر في صخر بيئته القاسية بكل ملامحها وشخوصها، وتوغله في قراءات كردية قد أشبعت قليلاً من جوعه المعرفي. في ذلك الزمن الصعب كانت عامودا تؤسس قاعدتها الشعرية دونما مأسسة رسمية، ودون منصات، كانت تعيد ترتيب فوضى الشعر، تعيد إنتاج لغة الشعر. في تلك العتمة، حمل أحمد حسيني كائناتها الشعرية وهلوساته وهواجسه، وارتقى سلالم أحلامه.
كان الحسيني وفياً للغته، ولهجته الشمالية الجميلة. فلا ثمة فرق كبير بينها وبين لغة البيت، واجتاز بها جدران بيته، وتخوم الأدب الكلاسيكي، وتألقت مفرداته التي نهلها ليس من أمهات الكتب التراثية فحسب، وإنما ولجها من عتمة أزقة عامودا، فأضاءت مسارات الكتابة الشعرية الجديدة، أضواء مصابيح عامودا الشحيحة، ولفح نيران أفرانها، نهلت من ضوء عينيه، وهو الذي كان يستسيغ الضوء، يلتمس أثر بورخيس في مداهنة النور، يقوده قلبه للضوء، فيهتك شرانق اللغة.. يقص حوافها، فيمعن في رسم المشاهد، ويمنحها بعداً تصويرياً سينمائياً، ويتركها على سجيتها كقطيع ماعز على تلال شرمولا. كحارس أعمى استمر في حراسة مدافن المدينة، يطفئ حرائقها بزلال الشعر، يغني لها، يحرس الظلال في هجير ظهيرة قاسية، يمزج كأس الحياة بنوازع الأزلية بين تهشيم فوضى الحياة إزاء سببية الحياة، مانحاً الموت رحابة المكان في نصوصه، دونما تهميش أو تهشيم. هكذا استكان للهيب القصيدة، رمى أحطابها القديمة، يستقي منها صهراً جيداً.
في بدايات المغامرة الكتابية للشعر، وفي ظل التبدلات الفكرية، والتلاقح الأدبي، والحالة الاقتصادية المزرية، وسيطرة الرهاب الأمني في ثمانينات القرن الماضي، انفلت الشعر من عقاله، واشتعلت ثورة شعرية بشكلها الخاص، انتقلت جذوتها إلى بيادر الكتابة القصصية التي مهدت للرواية، وبغياب شبه تام لحركة نقدية، تأسست الركيزة الأساسية، واستطاعت أن تؤسس لنمطية جديدة، كان من الضروري أن تكون الحداثة مرافقة لمكوناتها وثقافتها، فأدرك الحسيني أن تراث الكورد الأدبي والغنائي غني، وبامتلاكه لغة التعبير، غامر كخزاف بما يمتلك من صهر وتراب. فأنهمك في تفاصيل بنية قصيدته، فمثلما توجه “سليمو” ابن جيله وبلدته “عامودا” إلى رحاب العربية متخذاً من المكان بؤرة حداثوية، توجه الحسيني لحراثة المكان بمحاريثه الكوردية، مصرا على زرع بذرة الحداثة في رحم القصيدة الكلاسيكية، ليعلن عن نمط مختلف، ويؤسس أبوة بيولوجية لقصيدة النثر الكوردية، التي كان من الصعب تحديد الأب والعراب الأول لها.
أما فيما يخص لقبه الشعري “شيخ القصيدة الكوردية الجديدة”، فإذا كان الجزيري شيخ القصيدة الكلاسيكية، فلربما كان لقب الشيخ من هنا. وربما كانت لأنه سليل مشيخة دينية ذات مكانة مرموقة في بيئتها، وما بين المشيخة والأبوة تم هتك الأوزان، وتحطيم الأقفاص الشعرية القديمة، وتجرأ ممارساً تحطيم قوالب الشعر، وقرر أن يكتب شيئاً مختلفاً عن شيخه الأول الجزيري، وسيديه تيريز، وإمامه جكرخوين، وبدأ المخاض ولم ينتهِ بولادة النص على المستوى اللغوي الكوردي الكرمانجي، لربما يأتي قائل متابع لحركة الشعر الكوردي، فيعلن: أليس الشاعر قدري جان هو الأب؟! خاصة وأنه نشر نصوصاً كردية حرة، ولربما كان أحد روادها، لكن نصوصه المتواضعة لم تعهد بالرعاية، لم يدلل قصيدته، ولم يكتب له تاريخ الأدب الكوردي متابعين ومريدين وتلاميذ. أما الحسيني، فقد وقف من البدايات مهيئاً لها حضناً حنوناً راعياً، مدافعاً مغيّراً في البنية النصية والصوتية للقصيدة، وغيوراً عليها من الآداب المجاورة
هكذا، في حضرة الغياب والحضور معاً، يظل أحمد حسيني ممسكاً بجمر القصيدة، مستمراً في مزاميره ونحيبه، منشداً ولهه وعشقه في عتمة ليالي هجرانه. إنه ابن تلك الجغرافيا المتاخمة للألم، سليل مشيخة توشحت بالعلم والكتب، وأب لحداثة لم تعترف بها المؤسسات، لكنها انتصرت في النص. شيخ القصيدة الكوردية الجديدة الذي هتك الأوزان القديمة، ليس بتعصب المحدث، بل برهافة عاشق يعرف أن اللغة لا تولد من رحم النظرية، بل من رحم الألم، ومن نزق المدينة، ومن تلك المصادفات التي تصنع التاريخ، وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل من السهولة امتطاء صهوة الشعر؟ ربما لا، لكن الأصعب هو أن تظل فارساً يحرس مدافن المدينة، يطفئ حرائقها بالشعر، ويغني لها حتى في عز الهجران.. وهذا ما فعله أحمد حسيني.