بقلم.الكاتب : عبد الوهاب خليل
لا يمكن لمن عاش تفاصيل السنوات الماضية في شمال وشرق سوريا أن ينكر ما قدمته قسد والإدارة الذاتية، وما بذله الآلاف من أبناء المنطقة من تضحيات في ظروف بالغة الصعوبة.
كانت قسد، في مرحلة من المراحل، حاميةً لأعراض وكرامة الكثير من أبناء شعبنا، وكانت بالنسبة للكثيرين صمام أمان في مواجهة الفوضى والإرهاب، وحافظت على أرواح وبيوت ومجتمعات، وقدمت تضحيات كبيرة دفاعاً عن المنطقة وأهلها.
كما أن الإدارة الذاتية قامت بما استطاعت القيام به، وقدمت ما أمكنها تقديمه في ظل واقع معقد وحصار وضغوط وتحديات كبيرة.
وأنا أتفق تماماً بأن هناك نواقص وأخطاء، وهناك قرارات وممارسات يمكن انتقادها، كما كان هناك، للأسف، بعض الفاسدين والمتسلقين الذين استفادوا من تضحيات الآخرين وحاولوا أن يجعلوا من أنفسهم أصحاب فضل فيما لم يصنعوه.
لكن الاعتراف بالأخطاء لا يعني إنكار الإنجازات، والنقد لا يعني التنكر للتضحيات.
وعندما تركتُ مسد نتيجةً لبعض الظروف والاختلافات، فإن ذلك لم يكن يوماً تخلياً عن قيم الوفاء التي وجدتها لدى الكثير من الرفاق، ولا تنكراً للعلاقات الإنسانية والرفاقية التي جمعتنا خلال سنوات طويلة. وما زلت أكنّ الاحترام والتقدير لكل من كانت بيننا وبينه علاقة صادقة، وسأبقى محافظاً على تلك الروابط بعيداً عن الخلافات السياسية والإدارية.
قد تكون لي مخالفات فكرية وإدارية مع قسد والإدارة الذاتية في بعض الزوايا، وقد أختلف معهما في بعض الرؤى والسياسات، وهذا حق طبيعي ومشروع. لكن الاختلاف لا يلغي الحقيقة، ولا يمحو التاريخ.
لا يمكن أن نرمي حجراً في البئر الذي شربنا منه.
وقسد، في النهاية، اتخذت قراراً شجاعاً بالذهاب نحو الدمج مع مؤسسات الدولة السورية، في محاولة للحفاظ على الدماء وفتح طريق سياسي جديد، وحماية ما يمكن حمايته من أبناء المنطقة، عرباً وكورداً وسرياناً وغيرهم.
كما أن ما قامت به قسد خلال السنوات الماضية ساهم في نقل القضية الكوردية في سوريا إلى مراحل جديدة، وجعلها جزءاً أساسياً من النقاش السياسي حول مستقبل البلاد وشكل الدولة وحقوق مكوناتها.
قد نختلف، وقد ننتقد، وقد نطالب بالإصلاح والمحاسبة، وهذا كله ضروري. لكن علينا في الوقت نفسه أن نكون منصفين.
فالإنصاف لا يعني أن نغض الطرف عن الأخطاء، كما أن النقد لا يعني أن ننكر التضحيات.
ومن حقنا أن نختلف، لكن من واجبنا أيضاً أن نقول الحق، حتى عندما يكون الحق متعلقاً بمن اختلفنا معهم.
التاريخ لا يُكتب بالمواقف الآنية، وإنما بالاعتراف بما كان، بما له وما عليه
