بقلم الكاتبة : ملك دميرتاش
يمثل إعلان الجنرال مظلوم عبدي إنهاء المهمة العسكرية المستقلة لقوات سوريا الديمقراطية «قسد» والانتقال نحو اندماجها ضمن مؤسسات الدولة السورية تحولاً سياسياً وعسكرياً مهماً، يتجاوز إعادة ترتيب القوى المسلحة ليطرح إمكانية الانتقال من مرحلة تعدد مراكز القوة إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس الشراكة الوطنية.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أن «قسد» كانت من أبرز القوى العسكرية المنظمة خارج السيطرة المباشرة للجيش السوري. ولذلك فإن دمج قواتها وخبراتها لا يمثل عملية عسكرية فحسب، بل يتطلب معالجة قضايا تتعلق بالهيكلية والرتب والتسليح والتنظيم، إلى جانب الاستفادة من خبراتها الميدانية في تطوير مؤسسة عسكرية وطنية أكثر شمولاً وكفاءة.
مظلوم عبدي بين الحرب والسلام
يبرز مظلوم عبدي في هذا السياق بوصفه نموذجاً للقيادة التي استطاعت الانتقال من منطق المواجهة العسكرية إلى منطق التفاوض والتسوية. فالقيادة لا تُقاس فقط بالقدرة على خوض الحرب، وإنما أيضاً بالقدرة على اتخاذ قرار السلام عندما يصبح قادراً على حماية مصالح المجتمع وإنهاء النزاع.
ومن هذا المنظور، فإن انتقال عبدي من قيادة قوة عسكرية مستقلة إلى المشاركة في بناء مؤسسة وطنية يمكن أن يمثل اختباراً حقيقياً لرؤية تقوم على تحويل الخبرة العسكرية المتراكمة إلى مساهمة في بناء الدولة، بدلاً من استمرار الانقسام العسكري.
التحدي الحقيقي: التنفيذ والضمانات
على الرغم من أهمية الاتفاق، فإن نجاحه لا يتوقف على النصوص وحدها، بل على كيفية تطبيقها عملياً. فإشراك شخصيات مثل مظلوم عبدي وإلهام أحمد في مواقع سياسية أو استشارية قد يمثل مؤشراً إيجابياً لبناء الثقة، لكنه لا يشكل ضمانة كافية ما لم يتحول إلى مشاركة مؤسساتية وقانونية مستدامة.
وتكمن الضمانة الأساسية في وجود إطار دستوري وقانوني يحمي حقوق المواطنين ويضمن مشاركة مختلف المكونات، بحيث لا تصبح هذه الحقوق مرتبطة بأشخاص أو بتوازنات سياسية مؤقتة.
ومن هنا يطرح الاندماج سؤالاً مركزياً: هل سيكون خطوة نحو شراكة وطنية حقيقية، أم سيؤدي إلى إعادة إنتاج المركزية والإقصاء بصيغة جديدة؟
الشراكة الوطنية وحماية التنوع
إن استقرار سوريا يتطلب الاعتراف بتعددها القومي والثقافي والديني والمجتمعي، والتعامل مع هذا التنوع باعتباره جزءاً من قوة الدولة وليس تهديداً لها. ولذلك فإن ضمان الحقوق السياسية والثقافية والقومية، وفي مقدمتها الحقوق الكردية، يمثل عنصراً أساسياً في بناء عقد وطني جديد.
كما أن ضمان التمثيل العادل لمختلف المكونات في مؤسسات الدولة، بما في ذلك اعتماد آليات خاصة عند الحاجة، يمكن أن يسهم في بناء مؤسسات أكثر توازناً ويعزز شعور المواطنين بالانتماء المتساوي إلى الدولة.
الاندماج العسكري وبناء جيش وطني
يمكن لدمج عناصر «قسد» وخبراتها أن يشكل فرصة لتعزيز المؤسسة العسكرية السورية، ولا سيما أن هذه القوات راكمت خبرات ميدانية في مواجهة التنظيمات المتطرفة وإدارة العمليات المعقدة.
غير أن نجاح هذه العملية يتوقف على اعتماد معايير مهنية ووطنية تقوم على الكفاءة والخبرة والمساواة. فالاندماج الناجح لا يعني مجرد نقل الأفراد والسلاح إلى مؤسسة جديدة، وإنما بناء جيش وطني يشعر جميع أفراده بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات، وأن ولاءهم للدولة ومؤسساتها الدستورية.
أما إذا تحول الاندماج إلى عملية تفكيك وإخضاع أو إقصاء، فقد يؤدي إلى إنتاج توترات جديدة بدلاً من إنهاء أسباب الصراع.
فرصة تاريخية واختبار للثقة
يمثل الاتفاق فرصة تاريخية لإنهاء جانب مهم من الانقسام العسكري السوري، لكنه في الوقت نفسه اختبار حقيقي للثقة بين الأطراف. وستتحدد نتائجه بمدى تحويل الاتفاق من نصوص سياسية إلى قوانين ومؤسسات وممارسات فعلية.
كما أن مسؤولية نجاح المرحلة لا تقع على طرف واحد، بل تتطلب من جميع الأطراف تجاوز منطق الغلبة والانتقال إلى منطق الدولة والشراكة، مع الاعتراف بأن بناء سوريا مستقرة يتطلب مشاركة جميع مكوناتها.
الخلاصة
إن القيمة الأساسية للاندماج لا تكمن في إنهاء الانقسام العسكري فحسب، وإنما في إمكانية تحويله إلى مدخل لبناء دولة سورية تشاركية تقوم على المساواة والحقوق والتمثيل العادل.
وفي هذا السياق، يمكن أن يمثل مظلوم عبدي نموذجاً للقيادة التي تنتقل من العمل العسكري إلى المساهمة في بناء السلام والمؤسسات الوطنية. غير أن نجاح هذه الرؤية سيبقى مرتبطاً بالتنفيذ الفعلي للاتفاق، وبمدى توفير ضمانات دستورية وقانونية تحمي التنوع والحقوق والمشاركة.
وبالتالي، فإن مستقبل الاتفاق سيتحدد خارج النصوص ذاتها: فإذا تحولت إلى مؤسسات وضمانات وممارسة فعلية، فقد تشكل بداية لمرحلة جديدة من بناء الدولة السورية؛ أما إذا بقيت منفصلة عن الواقع أو تحولت إلى أداة لإعادة إنتاج السيطرة والإقصاء، فقد تعود الأزمة بأشكال جديدة.
برأيي هذه النسخة أنسب كمقال تحليلي أكاديمي؛ لأنها حافظت على جميع المحاور الأساسية، لكنها أزالت خصوصاً التكرار الموجود في ثلاث أفكار كانت تتكرر أكثر من مرة: الاندماج ليس عسكرياً فقط، الضمانة في التنفيذ لا في النصوص، والهدف النهائي يجب أن يكون الشراكة لا إعادة إنتاج الإقصاء.
