بقلم الكاتب : حسن محمد علي
من الطبيعي بعد انتهاء مرحلة عسكرية طويلة أن يشعر البعض بالقلق.
مقاتل يسأل: ماذا بقي من كل ما قدمناه؟
أم تقول: من سيحمي مكتسباتنا ؟
شاب يسأل: أين مستقبلي؟
وحزب يسأل: من سيكون سندنا ؟
ومواطن بسيط قد يقول: هل انتهت القضية الكردية؟
هذه الأسئلة ليست ضعفاً، ولا يجوز الاستهزاء بها.
لكن ربما نحتاج إلى النظر إلى المشهد من زاوية أخرى.الذي انتهى هو شكل من أشكال العمل، وليس القضية.
فالقضية الكردية السورية لم تبدأ مع قسد، ولن تنتهي بانتهاء قسد كقوة مستقلة.
قسد كانت أداة تاريخية في مرحلة تاريخية، كما كانت الإدارة الذاتية أداة لإدارة مرحلة استثنائية.
واليوم تتغير المرحلة، ولذلك يجب أن تتغير الأدوات. لقد انتقلت القضية، خلال عقود، من:
الإنكار إلى الصراع إلى الإدارة إلى التفاوض إلى الاتفاق إلى الاندماج إلى الحضور داخل مؤسسات الدولة.
وهذا يعني أن السؤال لم يعد فقط:
كيف نحمي وجودنا؟ بل أصبح: كيف نبني موقعنا داخل الدولة ونحول وجودنا إلى حقوق وسياسات ومؤسسات؟
وهنا تأتي أهمية التحول الجديد.
وجود شخصية كردية بهذا الوزن داخل مؤسسة الرئاسة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد منصب لشخص، بل باعتباره فرصة لانتقال القضية الكردية من التفاوض مع الدولة إلى العمل من داخل الدولة. لكن علينا أن نكون واضحين:
المناصب ليست حقوقاً. والحضور ليس ضمانة كافية. والاندماج ليس نهاية الطريق. إنما هي أدوات جديدة يجب أن نحسن استخدامها.
فإذا كان الكرد قد ناضلوا بالأمس من أجل حماية وجودهم من خلال القوة العسكرية ، فإن مسؤوليتهم اليوم هي حماية ما تحقق، وتحويله إلى دستور وقانون ومؤسسات وسياسات تضمن حقوقهم وحقوق جميع السوريين.
وإذا كان المقاتل قد حمل السلاح لحماية مجتمعه، فإن الدولة الجديدة مطالبة بأن تحول خبرته وتضحياته إلى مؤسسة وطنية تحفظ كرامته وحقوقه.
وإذا كانت المرأة قد أثبتت حضورها في أصعب مراحل الصراع، فإن المرحلة الجديدة يجب ألا تعيدها إلى الخلف، بل يجب أن تنقل مشاركتها إلى الدستور والقانون والمؤسسات.
وإذا كان الشباب قد دفعوا ثمناً كبيراً، فإن المطلوب اليوم أن يجدوا أمامهم جامعة وفرصة عمل ومؤسسة ومشروعاً سياسياً ومستقبلاً، لا فراغاً تملؤه التطرفات.
أما الشهداء، فلا يكون الوفاء لهم فقط بتذكر أسمائهم، وإنما ببناء مستقبل يجعل تضحياتهم ذات معنى للأجيال القادمة.
لذلك لا ينبغي أن ننظر إلى المرحلة الجديدة بعين الخوف وحدها، ولا بعين الاحتفال وحدها.
إنها فرصة ومخاطرة في الوقت نفسه.
الفرصة أن تصبح القضية الكردية جزءاً من بنية الدولة السورية.والمخاطرة أن نكتفي بالمواقع وننسى الحقوق. ولهذا فإن المعركة القادمة ليست على الكرسي، وإنما على ما سيُبنى حول الكرسي من سياسات وقوانين وضمانات ومؤسسات.
لقد تغيرت الساحة. ولذلك يجب أن تتغير أدواتنا.
من حماية الوجود إلى بناء الموقع.ومن بناء الموقع إلى تثبيت الحقوق. ومن تثبيت الحقوق إلى المشاركة في بناء الدولة.
وهذا ليس نهاية النضال. انه انتقال النضال إلى مرحلة جديدة.
