بقلم : ديرسم العلي
(….رسالة للذين يستعدون للخطوة التالية… )
أحزاب
نخب
افراد
(يرجى التمعن في القراءة )))
وصل شعبنا وقواه الطليعية التي خاضت طويلاً معركة إثبات وجودها وهويتها إلى لحظة مفصلية، يصبح فيها الوضع مختلفاً عن ذي قبل. فبعد عقود من السعي إلى الاعتراف بالهوية، وإثبات الخصوصية الثقافية والاجتماعية والوطنية، لم يعد الاعتراف بحد ذاته كافياً. لقد انتهت، أو تكاد تنتهي، مرحلة القول:
«نحن موجودون»
، وبدأت مرحلة أكثر أهمية ومسؤولية: كيف نستطيع تحويل هذا الوجود إلى حقوق ثابتة ومضمونة؟
إن الاعتراف بالهوية يمثل خطوة أساسية في مسار الشعوب والمجتمعات، لأنه يضع حداً لمحاولات الإنكار والتهميش، ويمنح الإنسان حقه في أن يكون مرئياً ومسموعاً، وأن يعبّر عن انتمائه وثقافته ولغته وتاريخه دون خوف أو وصاية. غير أن الاعتراف، مهما كانت قيمته الرمزية والسياسية، يبقى ناقصاً إذا لم يتحول إلى منظومة من الحقوق الملموسة التي يشعر بها الفرد في حياته اليومية. وتمهد لخطاه المستقبلية.
فالهوية ليست مجرد اسم أو شعار أو مناسبة للاحتفاء. إنها مدخل إلى حقوق متكاملة: الحق في التعليم والثقافة واللغة، والحق في المشاركة السياسية، والحق في تكافؤ الفرص، والحق في التنمية العادلة، والحق في حماية الذاكرة والتراث، والحق في التمثيل الحقيقي داخل مؤسسات الدولة والمجتمع. ومن هنا تبدأ المرحلة الجديدة؛ مرحلة الانتقال من الاعتراف الرمزي إلى التثبيت القانوني والمؤسسي’والدستوري.
تثبيت الحقوق لا يعني الدخول في صراع دائم مع الآخر، بل يعني بناء قواعد واضحة تجعل الحقوق جزءاً طبيعياً من النظام العام، لا منّةً من أحد ولا امتيازاً مؤقتاً قابلاً للتراجع. فالحق الذي يعتمد على الظروف السياسية أو على إرادة الأشخاص يظل هشاً، أما الحق الذي تحميه القوانين والمؤسسات وتدعمه ثقافة مجتمعية راسخة، فيصبح أكثر قدرة على الاستمرار.
وتفرض هذه المرحلة مسؤوليات جديدة علينا كأصحاب للقضية .
فإذا كانت مرحلة الاعتراف بالهوية قد احتاجت إلى الحشد والتعريف ‘ والدفاع عنها،والقتال من اجلها . فإن مرحلة تثبيت الحقوق تحتاج إلى رؤية أكثر نضجاً وتنظيماً. تحتاج إلى تحديد المطالب بدقة، وترتيب الأولويات، وصياغة المشاريع القانونية والمؤسساتية، وبناء التحالفات، والاستفادة من المساحات المتاحة للعمل المدني والسياسي، بعيداً عن الاكتفاء بالشعارات العامة.
كما أن تثبيت الحقوق يتطلب الانتقال من رد الفعل إلى صناعة المبادرة. فلا يكفي انتظار أن تُمنح الحقوق أو أن يأتي الاعتراف من الخارج؛ بل ينبغي تحويل المطالب إلى سياسات قابلة للتطبيق، وإلى قوانين وآليات ومؤسسات تضمن التنفيذ والمساءلة. وهنا تصبح الكفاءة السياسية والقانونية والإدارية بنفس أهمية قوة الانتماء والوعي بالهوية.
والأهم من ذلك أن تثبيت الحقوق لا ينبغي أن يُفهم باعتباره امتيازاً لفئة على حساب فئة أخرى. فالحقوق المستقرة هي التي تنسجم مع مبدأ المساواة والعدالة، وتحمي الخصوصية دون أن تتحول إلى عزلة، وتصون الهوية دون أن تجعلها أداة للإقصاء. وكلما ارتبط الدفاع عن الحقوق بالديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان، أصبح أكثر قوة ومشروعية وقدرة على بناء مستقبل مشترك.
إن انتهاء مرحلة الاعتراف بالهوية لا يعني انتهاء المعركة، بل يعني تغير طبيعتها. لقد كان التحدي في الماضي هو
أن نثبت من نحن؛
أما التحدي اليوم فهو أن نثبت أن الاعتراف بنا يجب أن تكون له نتائج ملموسة في القانون والمؤسسات والتعليم والتنمية والمشاركة والعدالة.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى خطاب جديد: أقل انشغالاً بإثبات الوجود، وأكثر تركيزاً على ضمان الحقوق؛ أقل اعتماداً على الرمزية، وأكثر اهتماماً بالمؤسسات؛ وأقل انتظاراً للوعود، وأكثر سعياً إلى الضمانات.
لقد أصبح الاعتراف بالهوية نقطة انطلاق، وليس نقطة وصول. والمرحلة الأكثر أهمية تبدأ الآن: مرحلة تحويل الاعتراف إلى حق، والحق إلى قانون، والقانون إلى ممارسة، والممارسة إلى واقع لا يمكن التراجع عنه.
فالهويات قد تُعترف بها الكلمات، لكن الحقوق لا تثبت إلا بالقانون والمؤسسات والعمل المستمر. ومن هنا، فإن الانتقال من معركة الاعتراف إلى مرحلة تثبيت الحقوق ليس مجرد تغيير في الخطاب، بل هو انتقال إلى مستوى جديد من المسؤولية والنضج السياسي والمجتمعي.
معا كما كنا…مستعدين أن نقدم في سبيلها كل غالي ونفيس.
للذين صنعوا لنا يومنا هذا….وساروا فيها قوافل…
المجد….
لهم ننحني…؟
