في زاوية دافئة بعيدة عن صخب الأخبار العاجلة ودوي المدافع في مدينة الحسكة، التقت وكالة “كوردستان سوريا” بإحدى القامات الإبداعية المنسية التي طواها زحام الحرب. إنه الشاعر الكوردي القدير هوزان كوركوندي، الذي غُيِّب عن المشهد الإعلامي الكوردي لأكثر من 13 عاماً. في هذا الحوار الحصري، يفتح الشاعر قلبه ليتحدث عن شريط ذكرياته ومعاناته في سبيل الحفاظ على الهوية والكلمة الكوردية الحرة.
& لقد عانيت من تهميش وتجاهل من قبل الإعلام الكوردي طيلة 13 عاماً الماضية. كيف تفسر هذا الغياب الطويل عن المشهد الثقافي والإعلامي؟
&& في الحقيقة، لقد ظلمني الإعلام الكوردي وتجاهلني طوال هذه السنوات، لكنني أدرك أن السبب يعود إلى انشغال المؤسسات الإعلامية بالبيانات السياسية، والتحليلات العسكرية، وملاحقة الأخبار العاجلة والتطورات الميدانية. للأسف، جاء كل هذا الزخم السياسي والعسكري على حساب الثقافة والفكر، مما أدى إلى تهميش الكثير من الأقلام المبدعة.
& بالعودة إلى الماضي، وتحديداً في عهد النظام السوري السابق وهيمنة حزب البعث.. لقد دفعت ضريبة قاسية لعشقك للغتك الأم، حدّثنا عن تلك المرحلة.
&& لقد دفعت هذه الضريبة غالياً بالفعل. تعرضت للاعتقال والسجن أكثر من مرة، وتنقّلت بين عدة معتقلات وأقبية أمنية في مدن مختلفة مثل الدرباسية، رميلان، والحسكة.
& وما هي التهمة التي كانت توجه إليك لتبرير هذا الاعتقال والتنقل بين الأقبية الأمنية؟
&& لم تكن تهمتي سوى إصراري على الكتابة باللغة الكوردية! كنا نكتب في الجرائد والمجلات المحلية التي كانت تصدر سراً ونقوم بتداولها في الخفاء بعيداً عن أعين الأجهزة الأمنية.”كانت الكلمة الكوردية وقتها تهمة تقودك إلى الجحيم.. لكنها كانت تستحق التضحية.”
& كشاهد حي على حجم القمع والاضطهاد الثقافي في تلك العقود، كيف تصف القوانين التي كانت مفروضة من قبل الأجهزة الأمنية آنذاك للحد من انتشار اللغة الكوردية؟
&& لقد كانت القوانين صارمة وقاسية جداً. على سبيل المثال، كان هناك قانون عرفي غير معلن ينص على عقوبة تُعرف بـ “عقوبة حيازة الحرف”. إذا ضُبطت بحوزتك جريدة واحدة فقط مكتوبة باللغة الكوردية، فإن عقوبتك الجاهزة فوراً هي السجن لمدة 4 سنوات، دون أي شفقة أو رحمة.
& وكيف استطعتم الاستمرار في ظل هذا التضييق والملاحقة المستمرة؟
&& لقد تحولت القراءة والكتابة باللغة الأم في ذلك الوقت إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر. الأمر تطلب شجاعة استثنائية من جميع المثقفين الكورد، وكان علينا أن نخوض هذه المغامرة ونواجه التضييق للحفاظ على إرثنا ولغتنا من الزوال والاندثار.
حاوره / محمود عيسى
