بقلم : عبدالوهاب پيراني
مقدمة
حين نتأمل تاريخ الشعوب، نجد أن مسيرة الحرية لم تُكتب بالحبر وحده، بل كُتبت أيضاً بدماء الذين رفضوا الخضوع، وتمسكوا بحقهم في الوجود والكرامة والهوية، فمن آسيا إلى أفريقيا، ومن أمريكا اللاتينية إلى العالم العربي، نهضت شخصيات وقادت شعوبها في مواجهة الاحتلال والاستعمار وسياسات الطمس والإلغاء، فتحولت إلى رموز خالدة في ذاكرة الأمم، وفي التاريخ الكردي، تبرز ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925 بوصفها واحدة من أهم محطات النضال الكردي الحديث، إذ جاءت في مرحلة مفصلية أعقبت انهيار الدولة العثمانية وبروز الجمهورية التركية الحديثة، في ظل سياسات هدفت إلى إنكار الهوية الكوردية وإلغاء خصوصيتها القومية والثقافية.
لم تكن ثورة الشيخ سعيد حدثاً عابراً أو انتفاضة محلية محدودة، بل كانت تعبيراً عن إرادة شعب يرفض التهميش والاقتلاع، ومحاولة لاستعادة الحقوق والحفاظ على الهوية في مواجهة مشروع الدولة القومية المركزية، وعلى الرغم من قصر عمر الثورة وما انتهت إليه من قمع وإعدامات، فإنها تركت أثراً عميقاً في الوعي القومي الكردي، وأصبحت ذكرى الشيخ سعيد ورفاقه من الشهداء محطة مضيئة في مسيرة النضال الكردي، تستحضرها الأجيال بوصفها رمزاً للصمود والتضحية والإيمان بحق الشعوب في الحرية والكرامة،
ومن هذا المنطلق، تأتي هذه المحاضرة لإلقاء الضوء على ثورة الشيخ سعيد بيران، والظروف التي سبقتها، ومسار أحداثها، وأهدافها، ونتائجها، ومكانتها في الذاكرة التاريخية الكوردية، بوصفها واحدة من أبرز الثورات التي شهدها القرن العشرون في كوردستان.
قبل أن تتحول الثورات إلى وقائع مسطورة في بطون الكتب، كانت في أصلها صرخات مدوية لشعوب أنهكها البحث عن الحق في الوجود والحرية والكرامة، فالتاريخ ليس مجرد حتمية جغرافية، ولا هو انعكاس آلي للمصالح السياسية للدول العظمى فحسب، بل تصنعه، في المقام الأول، إرادة الجماعات البشرية التي تأبى الاستسلام، وتلك الشخصيات الاستثنائية التي تتحول، في اللحظات الفارقة، إلى تجسيد حي لآمال أمة بأكملها وآلامها، في تاريخ الشعب الكردي، المثقل بالانكسارات والمقاومات، برزت شخصيات حملت راية النضال في وجه سياسات الإقصاء والإنكار، ومن بين هؤلاء، يظل اسما الشيخ سعيد بيران وسيد رضا الأكثر التصاقاً بالوجدان القومي الكردي، ليس فقط لأنهما قادا ثورتين كبيرتين، بل لأنهما جسدا، في مرحلتين مختلفتين، الإرادة الجمعية ذاتها، وعبّرا عن الحلم المستعصي نفسه: حلم الحرية والاعتراف بالوجود القومي الكردي.
ورغم أن ثورة الشيخ سعيد عام 1925، وانتفاضة سيد رضا في ديرسم عام 1937، وقعتا في زمنين مختلفين وتحت ظروف متباينة، إلا أنهما كانتا امتداداً لسلسلة متصلة من المقاومة، توحد فيها الهدف الجوهري وإن اختلفت الأدوات والظروف، كلتا الثورتين انبثقتا من رحم المعاناة المتراكمة التي عاشها الكرد بعد انهيار الدولة العثمانية، وولادة الدولة القومية التركية الحديثة على أنقاضها، وتبني الأخيرة سياسات هوياتية أحادية استهدفت طمس الهوية الكوردية وإنكار وجودها، إن قراءة ثورة 1925 لا تعني مجرد استذكار حدث تاريخي، بل هي غوص في أعماق الجرح التأسيسي للعلاقة بين المركز التركي والمحيط الكردي، وفهم للجذور التي تغذت منها حركات التحرر الكوردية طوال قرن كامل.
السياق الجيوسياسي – من انهيار الإمبراطورية إلى بناء الدولة القومية
لفهم الدوافع العميقة لثورة 1925، لا بد من رسم صورة بانورامية للمشهد الجيوسياسي الذي سبقها، كانت السنوات الأخيرة من عمر الإمبراطورية العثمانية أشبه بمخاض عسير، دخلت الدولة الحرب العالمية الأولى إلى جانب قوى المركز (ألمانيا والنمسا-المجر)، آملةً في استعادة أمجادها، لكن الهزيمة الساحقة عام 1918 كانت الضربة القاضية لإمبراطورية أنهكتها الحروب والتناقضات الداخلية، وجدت الدولة نفسها محتلةً، ومؤسساتها متآكلةً، لتبرز على السطح الحركات القومية المختلفة، وعلى رأسها الحركة القومية التركية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، رفعت هذه الحركة شعاراً جذاباً: بناء دولة قومية تركية حديثة وعلمانية من بين الأنقاض.
تميزت هذه المرحلة الانتقالية بتناقضات حادة، حيث لجأ القادة الكماليون إلى خطاب براغماتي، ساعين لاستقطاب الكرد خلال حرب الاستقلال (1919-1922)، لقد غلفوا مشروعهم بوعود سخية تتعلق بالمساواة والاعتراف بالحقوق القومية، بل إن الخطاب الرسمي في تلك الفترة كان يروج لفكرة “الأخوة التركية الكوردية” أو “الشراكة” في بناء الدولة الجديدة، غير أن هذه الوعود سرعان ما تبددت كالسراب، فبعد إلغاء السلطنة عام 1922، وإعلان الجمهورية في 29 تشرين الأول 1923، ثم إلغاء الخلافة الإسلامية عام 1924، بدأت ملامح المشروع القومي التركي المتشدد بالظهور، كان هذا المشروع يقوم على مبدأ “أمة واحدة، لغة واحدة، ثقافة واحدة”، وهو ما شكل صدمةً عنيفةً للكرد الذين كانوا يتوقعون، ولو حداً أدنى من الحكم الذاتي الثقافي والإداري، في إطار الدولة الجديدة التي شاركوا في بنائها.
من سيفر إلى لوزان – خيانة الوعود الدولية
شكلت معاهدة سيفر، التي وقعتها الحكومة العثمانية المنهزمة في آب 1920، لحظة أمل استثنائية في التاريخ الكردي، فقد تضمنت المواد 62 و63 و64 اعترافاً دولياً بحق الكرد في تقرير المصير، وفتحت الباب أمام إمكانية قيام دولة كردية مستقلة في جنوب شرق الأناضول، كانت هذه المعاهدة، بالنسبة للقوميين الأكراد، اعترافاً قانونياً وأخلاقياً بقضيتهم، لكن الحركة الكمالية رفضت سيفر جملةً وتفصيلاً، واعتبرتها وثيقة استسلام تهدف إلى تقسيم “الوطن التركي”.
وبعد سلسلة من الانتصارات العسكرية المدوية التي حققها الكماليون، تمكنوا من فرض الأمر الواقع، ودعوة القوى المنتصرة إلى مؤتمر جديد في لوزان، كانت معاهدة لوزان عام 1923، التي اعترفت بالجمهورية التركية ضمن حدودها الحالية، بمثابة إعدام سياسي للحلم الكردي الذي راودته سيفر، لقد ألغت المعاهدة فعلياً جميع البنود المتعلقة بحقوق الكرد، واعترفت بتركيا كدولة موحدة دون أي إشارة إلى الأقليات القومية غير المسلمة فحسب، وهكذا، تحول الكرد، الذين كانوا بالأمس القريب “شركاء” في بناء الدولة، إلى مجرد “أتراك جبال”، تم تجاهل قوميتهم ولغتهم وهويتهم بشكل كامل، كانت لوزان، في نظر الأكراد، خيانةً مزدوجةً: خيانة من القوى الدولية التي تخلت عن وعودها، وخيانة من “الإخوة” الأتراك الذين نقضوا عهودهم.
ولادة الوعي القومي الكردي الحديث
لم تكن القضية الكوردية وليدة عام 1925، فجذورها تمتد إلى القرن التاسع عشر، حين بدأت السلطة العثمانية المركزية حملاتها لإخضاع الإمارات الكوردية شبه المستقلة، وإنهاء وجودها السياسي، غير أن الحرب العالمية الأولى، وما تلاها من انهيار للإمبراطورية وإعادة رسم الحدود، ولّدت وعياً سياسياً جديداً ونوعياً لدى النخب الكوردية، لم يعد الأمر متعلقاً بمطالب محلية أو امتيازات عشائرية، بل بدأت النخب تتحدث للمرة الأولى بلغة الحقوق القومية الجماعية وحق تقرير المصير، متأثرةً بموجات القومية التي كانت تجتاح أوروبا والشرق الأوسط.
في هذا السياق، ظهرت جمعيات وتنظيمات سياسية كردية عدة، كان من أبرزها جمعية “آزادي” (الحرية)، تأسست هذه الجمعية في أيلول 1924، وضمت في صفوفها نخبةً من الضباط الكرد الذين خدموا في الجيش العثماني ثم التركي، إضافةً إلى مثقفين وزعماء قبائل، كان هدفها واضحاً: الدفاع عن الحقوق القومية الكوردية، والعمل على تحقيق الاستقلال أو الحكم الذاتي، شكلت آزادي الإطار التنظيمي الحاسم الذي مهّد لثورة الشيخ سعيد، وجسدت الانتقال من المقاومة العفوية إلى العمل السياسي المنظم المستند إلى وعي قومي حديث.
الشيخ سعيد بيران – الزعيم الروحي والسياسي
في قلب هذا المخاض، تبرز شخصية الشيخ سعيد بيران، المولود في منطقة بيران قرب ديار بكر، نشأ في أسرة دينية عريقة تنتمي إلى الطريقة النقشبندية، مما أكسبه مكانةً روحيةً واجتماعيةً نافذةً بين القبائل الكوردية، لكن شخصيته تجاوزت الإطار الديني الصرف، فقد كان مصلحاً اجتماعياً يسعى لحل النزاعات بين العشائر، ويمتلك رؤيةً سياسيةً ثاقبةً، أدرك الشيخ سعيد، باكراً، أن الوعود التركية للكرد لم تكن سوى تكتيك مرحلي، وأن الجمهورية الناشئة تتجه بقوة نحو بناء دولة مركزية صارمة قائمة على التتريك والإقصاء.
عُرف عن الشيخ سعيد حرصه على حقن الدماء، وتشير شهادات تاريخية عديدة إلى دوره الإنساني في حماية آلاف الأرمن خلال أحداث التهجير والقتل التي شهدتها الأناضول، مما يعكس رؤيةً أخلاقيةً شاملةً لا تقتصر على جماعته القومية أو الدينية، هذه السمات هي التي جعلت جمعية آزادي تختاره قائداً للثورة المرتقبة، فهو لم يكن مجرد رجل دين، بل كان زعيماً ذا كاريزما طاغية، وقادراً على توحيد العشائر الكوردية المتنافرة حول مشروع وطني جامع، متجاوزاً الانقسامات القبلية والطبقية.
انطلاق الثورة – الأهداف والأبعاد
كانت خطة جمعية آزادي قاضيةً بأن تندلع الثورة في 21 آذار 1925، تزامناً مع عيد نوروز، لما يحمله هذا اليوم من رمزية قومية عريقة في الوجدان الكردي، لكن التطورات المتسارعة، وأبرزها اندلاع تمرد في منطقة بيران، أدت إلى اندلاعها قبل موعدها، في الثامن من شباط 1925، انطلقت الشرارة من المناطق المحيطة بديار بكر، وسرعان ما امتدت الثورة كالنار في الهشيم، وشملت مناطق واسعة مثل بالوه وموش وبتليس وأرغاني وخربوط، استطاع الثوار في أسابيعهم الأولى السيطرة على عدد من المدن والبلدات، مما شكل تهديداً وجودياً حقيقياً للجمهورية التركية الفتية.
هنا يبرز جدل تاريخي مهم، هل كانت ثورة الشيخ سعيد حركةً دينيةً رجعيةً، كما صورتها الرواية التركية الرسمية، أم ثورةً وطنيةً كرديةً؟ لقد حاولت أنقرة، وباستمرار، طمس البعد القومي للثورة، وتصويرها على أنها انتفاضة قبلية ودينية هدفت إلى إعادة الخلافة وإسقاط العلمانية، غير أن المعطيات التاريخية تكشف حقيقةً مغايرةً، فالثورة انطلقت من رحم تنظيم سياسي قومي هو “آزادي”، واتخذت من عيد نوروز، رمز الهوية الكوردية، موعداً مبدئياً لها، ورغم أن الخطاب الديني استُخدم كأداة تعبئة فعالة في مجتمع محافظ متدين، إلا أن الهدف النهائي كان سياسياً بامتياز، وهو انتزاع حقوق قومية، بل إن الوثائق الصادرة عن محاكم الاستقلال التركية نفسها، التي حاكمت قادة الثورة، تحدثت عن “محاولة تأسيس كوردستان مستقلة”، وذلك يؤكد وعي السلطات آنذاك بالطبيعة القومية للحركة، فقد كان الدين وعاءً، بينما كان المضمون وطنياً خالصاً.
أسباب الفشل والهزيمة العسكرية
رغم الزخم الشعبي الكبير الذي رافق الثورة، إلا أنها واجهت تحديات جسيمة أدت إلى إخفاقها، يمكن حصر هذه الأسباب في عدة نقاط:
1، التفوق العسكري الساحق، واجه الثوار، المسلحون بأسلحة تقليدية ويعتمدون على تنظيم قبلي، جيشاً نظامياً حديثاً مدرباً، لجأت الحكومة التركية إلى استخدام الطيران الحربي لأول مرة في تاريخ المنطقة لقصف المدنيين والثوار على حد سواء، بالإضافة إلى المدفعية الثقيلة، مما أحدث دماراً هائلاً.
2، غياب الوحدة الكوردية الشاملة، لم تنجح الثورة في تعبئة جميع القوى الكوردية، فضّلت بعض العشائر النافذة البقاء على الحياد، حفاظاً على مصالحها، بينما ذهبت عشائر أخرى إلى حد التعاون مع القوات التركية ضد الشيخ سعيد، سعياً وراء مكاسب محلية وصراعات قبلية قديمة، كان الانقسام الداخلي عاملاً حاسماً في إضعاف الثورة.
3، غياب الدعم الخارجي، اعتمد الكرد في المقام الأول على قواهم الذاتية، ففي تلك المرحلة الحساسة، فضلت القوى الكبرى، وخاصة بريطانيا وفرنسا، الحفاظ على علاقاتها الجيدة مع الجمهورية التركية الحديثة، التي كانت تمثل حليفاً استراتيجياً ضد الاتحاد السوفيتي، ولم تكن مستعدةً لفتح جبهة جديدة بدعم ثورة كردية.
4، ضعف التنسيق المركزي، عانى الثوار من قصور في التنسيق العسكري بين مختلف الجبهات، وافتقروا إلى قيادة مركزية موحدة قادرة على إدارة معركة طويلة الأمد ضد خصم منظم.
المشانق وإرث الدم – النتائج المباشرة للثورة
بعد أشهر من القتال غير المتكافئ، تمكنت القوات التركية من حسم الموقف عسكرياً واعتقال الشيخ سعيد وعدد كبير من رفاقه، لم تكن المحاكمة التي تلت ذلك سوى مسرحية سياسية، حيث شُكّلت “محكمة الاستقلال” خصيصاً لإصدار أحكام معدة سلفاً، وُجهت للمتهمين تهمة الخيانة العظمى ومحاولة تقسيم الدولة، وفي صباح التاسع والعشرين من حزيران 1925، أُعدم الشيخ سعيد وسبعة وأربعون من رفاقه شنقاً في ساحة ديار بكر، يُنسب إليه قوله قبيل إعدامه كلمات أصبحت إرثاً حياً في الذاكرة الكوردية، “أنا لا أشعر بالندم، وإنما أشعر بالأسف لأننا لم نتمكن من تقديم المزيد لشعبنا، إن أحفادنا سيواصلون النضال حتى ينال الكرد حريتهم”.
لكن المشانق لم تكن نهاية المأساة، بل بداية فصل جديد من القمع الممنهج، أعقب إخماد الثورة موجة وحشية من الاعتقالات والتهجير القسري طالت عشرات الآلاف من السكان المدنيين، وصدرت قوانين استثنائية، أبرزها “قانون إصلاح الشرق”، الذي هدف إلى تفكيك النسيج الاجتماعي الكردي، وحظر استخدام اللغة الكوردية في الأماكن العامة، وفرض سياسات التتريك الإجباري، ونشر العسكرة في كامل مناطق كوردستان، لقد أرادت الدولة الحديثة اجتثاث الهوية الكوردية من جذورها.
استمرارية المقاومة – من الشيخ سعيد إلى سيد رضا
على الرغم من قسوة الهزيمة، إلا أن جذوة المقاومة لم تنطفئ، شكلت ثورة الشيخ سعيد منعطفاً تأسيسياً في الوعي القومي الكردي، حيث أيقظت شعوراً عميقاً بالهوية المشتركة والمظلومية الجمعية، كان فشلها درساً قاسياً، لكن إرثها كان حاضراً في كل الانتفاضات اللاحقة، فبعدها بعامين، اندلعت ثورة آرارات (1927-1930) التي قادها إحسان نوري باشا، مستلهمةً روح 1925، ثم تُوّج هذا الخط النضالي بثورة ديرسم (1937-1938) بقيادة سيد رضا، الذي واجه نفس السياسات الإجرامية للدولة التركية في منطقة ديرسم الجبلية، سعياً للحفاظ على خصوصية مجتمعه العلوي الكردي، انتهت تلك الثورة بمجزرة كبرى وإعدام سيد رضا، لتتأكد بذلك استمرارية الحلم نفسه وتكاليفه الباهظة.
الشيخ سعيد في الذاكرة والوجدان الجمعي – رمز يتجاوز الزمن
بعد مرور أكثر من قرن على استشهاده، تجاوز الشيخ سعيد بيران كونه شخصيةً تاريخيةً ليصبح رمزاً ثقافياً وسياسياً حاضراً في صميم الوجدان الكردي، لقد تحول إلى أيقونة في الشعر والأغنية والرواية الشفوية، حيث تتغنى به الأجيال الجديدة بوصفه شهيد الحرية والكرامة، بدأت الدراسات الأكاديمية الحديثة، وخاصة في الشتات الكردي، في إعادة قراءة ثورته بعيداً عن المركزية التركية، لتبرز تعقيدات المرحلة وطبيعتها القومية التحررية، إن استذكاره اليوم ليس ترفاً فكرياً أو بكاءً على الأطلال، بل هو فعل وفاء للذاكرة، وتأكيد على أن التضحيات الجسام لا تذهب سدى، وصون للهوية من التآكل.
مثلت ثورة الشيخ سعيد بيراني عام 1925 واحدة من أبرز المحطات المؤسسة في التاريخ الكردي الحديث، إذ كشفت عن حجم التناقض بين تطلعات الشعب الكردي وسياسات الدولة القومية التركية الناشئة، كما أسهمت، رغم هزيمتها العسكرية، في ترسيخ الوعي القومي الكردي وإبقاء فكرة الحرية والحقوق القومية حية في وجدان الأجيال المتعاقبة.
إن استذكار الشيخ سعيد بيران اليوم لا يقتصر على كونه استعادة لحدث تاريخي مضى، بل يمثل فعلاً من أفعال صون الذاكرة الجماعية، وتأكيداً على أن الشعوب لا تُقاس بانتصاراتها العسكرية وحدها، بل أيضاً بقدرتها على الحفاظ على ذاكرتها التاريخية، واستمرار إيمانها بحقها في الحرية والكرامة والوجود.
فالأمم التي تنجب قادةً مثل الشيخ سعيد وسيد رضا، والآلاف الذين ساروا على دربهم، لا تموت، فالتاريخ لا يكتبه المنتصرون وحدهم، بل تكتبه أيضاً إرادة الشعوب التي ترفض النسيان، وتُصر على أن تظل ذاكرتها جمرةً حيةً تحت رماد الزمن، تستمد منها الأجيال المتعاقبة الإصرار على مواصلة الطريق نحو فجر الحرية.




