بقلم: عبدالوهاب پيراني / كاتب وناقد
تشهد مدينة قامشلو خلال الفترة الأخيرة نهضة مسرحية حقيقية، بعد أن نجح المسرح الكردي في استعادة جمهوره وفرض حضوره كأحد أهم المنابر الثقافية في المنطقة، لم يعد مساء الخميس مجرد موعد لعرض، بل طقس ثقافي ينتظره الجمهور بشغف، تمتلئ فيه قاعة مركز Tev-Cand بعشاق الخشبة من مختلف الأعمار، في مشهد يعكس عودة المسرح إلى مكانته فضاءً للحوار والجمال والأسئلة الكبرى، خلف هذا الحراك يقف كومين المسرح وحركة ميزوبوتاميا للثقافة والفن وفرق مسرحية وشخصيات مثابرة على الابداع، ومؤمنة بالعطاء الفني الإنساني، كل ذلك استطاع، عبر سنوات من المثابرة، أن تؤسس لحالة مستمرة وتخلق تقليداً ثقافياً قائماً على الإنتاج المنتظم واحتضان الطاقات الشابة، لقد تجاوز كومين المسرح حدود تنظيم العروض وأصبح مؤسسة لصناعة المسرح وإعادة بناء العلاقة بين الفنان والجمهور، وهي مهمة ليست سهلة في ظل ظروف المنطقة، ضمن هذه النهضة يأتي عرض «حاول مرة أخرى» للمخرج محمد رسول، المقتبس عن نص الكاتب الإماراتي صالح كرامة العامري، بترجمة كردية أنجزها عمران يوسف، وهو نص لا ينشغل بالجريمة كحدث، بل كمدخل إلى أسئلة أعمق عن الخيانة، والضمير، والاعتراف، والعقاب، والقدرة على مواجهة الذات.
تدور الأحداث داخل زنزانة سجن، لكن المكان المغلق سرعان ما يتحول إلى فضاء نفسي مفتوح تتداخل فيه الذاكرة مع الحاضر، والحقيقة مع الوهم، والعدالة القانونية مع الأخلاقية، الزوجة التي قتلت زوجها بعد اكتشاف خيانته مع أقرب صديقاتها، لا تجد نفسها في مواجهة المحكمة وحدها، بل أمام ضميرها أيضاً، ويدخل المحامي حاملاً وعود الخلاص القانوني قبل أن يجد نفسه محاصراً بخطاياه الشخصية، في حين تصل الصديقة محملة بثقل ذنب لا يرحم، منذ المشهد الأول يتضح أن العرض لا يريد إدانة أحد، بل تفكيك الإنسان من الداخل، فكل شخصية تحمل سجنها الخاص، حتى يصبح السؤال الحقيقي: من هو السجين فعلاً؟ ومن القادر على الهروب من ذاكرته؟
وقد نجح المترجم عمران يوسف في تقديم ترجمة كردية حافظت على الروح الفلسفية للنص، رغم وقوعه في أحابيل الترجمة الموازية، فالمسرح لا يقوم على الكلمات وحدها، بل على الإيقاع والتنفس والانفعال، ورغم هذا التحدي جاءت اللغة الكردية مرنة ومنسجمة مع الأداء وقادرة على حمل ثقل الاعترافات النفسية، فقد تحولت الترجمة إلى فعل ثقافي فتح أمام الجمهور الكردي نافذة على تجارب إنسانية من بيئات أخرى، دون أن يشعر المتلقي بأي اغتراب؛ فالخيانة وتأنيب الضمير ليسا حكراً على ثقافة دون أخرى، بدا النص كأنه كتب أصلاً بالكردية، بفضل حفاظ المترجم على الإيقاع الفلسفي القائم على الأسئلة والاعتراف لا الاتهام، فجاءت الحوارات متماسكة وقادرة على خدمة الأداء.
أما المخرج محمد رسول، فتعامل مع اعداد النص واخراجه بوصفه مادة حية، فأعاد قراءته من داخل البيئة الكردية، مانحاً شخصياته بعداً إنسانياً تجاوز حدود الجغرافيا، لم يشعر المتلقي بأنه يشاهد نصاً وافداً، بل عملاً ينتمي إلى واقعه، يطرح أسئلته ويتحدث بلغته، وهي من أصعب المهام التي يواجهها مخرج يشتغل على نص مترجم.
فالمخرج محمد رسول ينتمي إلى جيل من المخرجين الكرد السوريين الذين راكموا خبرة طويلة في الإخراج وتدريب الممثلين وصناعة الفرق، وهذه الخبرة تتجلى في كل مشهد، فهو يتعامل مع الممثل بوصفه خالقاً للمعنى لا حافظاً للنص، اعتمد في تدريبه على بناء الشخصية من الداخل، والاشتغال على ذاكرتها النفسية، والعلاقة الدقيقة بين الجسد والكلمة، والحركة والصمت، فقد ظهر الممثلون وكأنهم عاشوا الشخصيات سنوات لا أسابيع، فجاءت انفعالاتهم وحركاتهم نتيجة منهج تدريبي واضح، لا مصطنعة ولا عشوائية.
يضع محمد رسول الممثل في مركز العملية المسرحية، لا كمنفذ لتعليمات، بل كشريك في صناعة المعنى، يمنحهم الوقت الكافي لبناء دوافع الشخصية قبل الانتقال إلى الحركة والإلقاء، ويحسب له أنه لا يصنع بطلاً واحداً، بل يصنع فريقاً متكاملاً، لا أحد يطغى على الآخر أو يبحث عن مساحة أكبر، الكل يتحرك داخل منظومة واحدة تصنع الإيقاع الجماعي للعرض، وهي سمة لا تتحقق إلا بخبرة عميقة في إدارة الممثلين، هذا ما يفسر الانسجام الكبير بين الممثلين الثلاثة، وغياب أي إحساس بالتنافس، كل ممثل يعرف متى يتقدم ومتى يتراجع، في بطولة حقيقية للعرض كله لا لفرد واحد.
ومن أبرز إنجازات العرض إعادة تعريف حضور المرأة الكردية على الخشبة، فبدلاً من تقديمها كضحية تتحرك بإرادة الرجل، كما اعتادت عروض كثيرة، يقلب “حاول مرة أخرى” المعادلة، السجينة(هيڤيدار سعدون) لا تنتظر من ينقذها، بل تمتلك شجاعة الاعتراف، وترفض أن يحولها القانون إلى بريئة على حساب الحقيقة، إنها الشخصية الوحيدة المتصالحة مع ذاتها، بينما من حولها أسرى لأقنعتهم، جعل المخرج قوتها تنبع من إنسانيتها وقدرتها على مواجهة نفسها، بعيداً عن الخطابة، أما صديقة السجينة(بشرى خزيم)، فلم تقع في الصورة النمطية للمرأة الخائنة، بل قُدمت كشخصية ممزقة بين الحب والندم والخوف، تتحول من خصم إلى ضحية أخرى لاختياراتها، وهكذا حرر العرض المرأة من ثنائية الضحية والجانية، مقدماً شخصيات نسائية تمتلك قرارها وخطأها ومسؤوليتها، مما يمنحها قيمة درامية أكبر.
وجاءت حركة الممثلين فوق الخشبة محسوبة بدقة، تحول فيها كل خطوة إلى جزء من البنية الدرامية، كانت السجينة تحتل المركز كلما امتلكت الحقيقة، بينما يتراجع المحامي إلى الأطراف مع تصدع يقينه، وتنكمش الصديقة داخل مساحة أضيق مع تضخم شعورها بالذنب، هذا التوزيع لم يصنع صوراً جميلة فحسب، بل ترجم الصراع النفسي بصرياً، وهو يعكس سمة لافتة في رؤية المخرج وإيمانه بدقة استخدام العناصر لا كثرتها، فالخشبة لم تكن مزدحمة بالديكور، لكنها لم تبدو فقيرة، إذ كان كل عنصر يؤدي أكثر من وظيفة، انصهرت حركة الممثلين والإضاءة والموسيقى والديكور في تكوين واحد يحترم ذكاء الجمهور.
وإذا كان النص هو العقل، فإن الإخراج هو العين، والممثل هو القلب، فالممثلون الثلاثةةقدموا أداءً استثنائياً قائماً على الصدق والانضباط والوعي بلغة الجسد.
فقد قدمت هيفيدار سعدون(السجينة) أداءً يمكن اعتباره من أجمل ما قدمته على الخشبة خلال تجربتها حتى الآن، فقد بنت شخصية السجينة بهدوء شديد، بعيداً عن الانفعال المجاني، معتمدة على اقتصاد واضح في الحركة، وثقة كبيرة بالصمت، كانت تعرف متى تتكلم، ومتى تترك الصمت يقول ما تعجز عنه الكلمات، جلستها فوق السرير، وطريقة رفع الرأس، ونظراتها الطويلة، وابتسامتها الطاعنة بالمرارة والسخرية، وحركة اليدين، وحركة العربة و الحصان التي رسمت مشهداً سينمائيا من خلال الموسيقا و المؤثرات الصوتية و الإضاءة، كما أن لحظات صمتها كانت جزءاً من البناء النفسي للشخصية، فلم تكن تمثل امرأة قتلت زوجها، بل امرأة أنهكتها الحقيقة حتى لم يعد لديها ما تخسره، ولعل أجمل ما في أدائها أنها لم تستدر عاطفة الجمهور، ولم تحاول أن تبدو ضحية، بل جعلت المشاهد يحترمها لأنها واجهت نفسها قبل أن تواجه الآخرين، لقد أثبتت هيفيدار سعدون أنها تمتلك أدوات ممثلة محترفة، قادرة على الجمع بين العمق النفسي والانضباط الجسدي، وهي بلا شك واحدة من الطاقات النسائية في المسرح الكردي في سوريا.
أما شيروان ملا (في دور المحامي توفيق)فقد قدم شخصية المحامي بذكاء تمثيلي لافت، في بداية العرض بدا واثقاً، متماسكاً، مسيطراً على الحوار، مستنداً إلى قوة القانون والمنطق، لكن هذا التماسك بدأ يتآكل تدريجياً، حتى أصبح الرجل نفسه هو المتهم، لم يعتمد شيروان على الانفعال المفاجئ، بل صنع انهيار الشخصية عبر تفاصيل صغيرة جداً، انحناءة الكتفين، ارتباك النظرات، تغير نبرة الصوت، والتردد في الحركة، لقد جعل الجسد يعترف قبل اللسان، وكانت لحظة سقوط القناع الأخلاقي من أجمل لحظات العرض، لأنها جاءت صادقة، بعيدة عن المبالغة، وهو ما يعكس خبرة تمثيلية ناضجة.
و قدمت بشرى خزيم(الصديقة) أداءً يعتمد على التدرج النفسي أكثر من الانفجار العاطفي، بدأت الشخصية بثقة امرأة تحاول إخفاء خوفها خلف مظهرها الهادئ، ثم أخذت هذه الثقة تتشقق شيئاً فشيئاً، حتى وصلت إلى لحظة الانهيار الكامل، تميز أداؤها بالاقتصاد في التعبير، فلم تكن تحتاج إلى كثير من الحركة كي توصل انفعالاتها، تعابير الوجه، وارتجاف اليدين، وتغير الإيقاع الحركي، كانت كافية لكشف العاصفة التي تعيشها الشخصية من الداخل، وكان المشهد الأخير بينها وبين السجينة من أكثر مشاهد العرض تأثيراً، لأنه جمع بين الاعتراف والعقاب والتطهير في لحظة واحدة.
وما يلفت الانتباه أن محمد رسول لم يجعل لغة الجسد مكملاً للحوار، بل جعلها لغة قائمة بذاتها، فالممثلون الثلاثة لم يكتفوا بإلقاء الجمل، وإنما كتبوا بجسدهم نصاً موازياً للنص المكتوب، كانت المسافات بينهم تتغير مع تغير العلاقات النفسية، وكانت الوقفات، والاقتراب، والابتعاد، والصمت، جميعها تؤدي وظيفة درامية، ولهذا بدا العرض وكأنه يقوم على أربع لغات متوازية: لغة النص، لغة الأداء، لغة الجسد، ولغة الصمت، وهذا التوازن بين هذه اللغات هو أحد أهم أسباب نجاح العرض.
ينتمي المخرج إلى المدرسة التي تؤمن بأن أقل الأشياء يمكن أن تقول أكثر المعاني، جاءت السينوغرافيا مقتصدة في عناصرها، غنية بدلالاتها، تاركة المجال للجسد الإنساني كي يحتل مركز الصورة، لم يفرض الديكور حضوراً على الممثل، بل منحه مساحة للحركة والتأويل، في خيار يعكس ثقة واضحة بقدرة الممثل على ملء الفراغ، وتجلت هذه الرؤية في ثلاثة عناصر أساسية: السرير، وسطل الماء، والإضاءة، إضافة إلى الموسيقى والمؤثرات الصوتية والتشكيل الحركي.
فالسرير لم يكن السرير مجرد أثاث زنزانة، بل أكثر العناصر كثافة في الدلالة: هو سرير الزوجية الذي شهد الخيانة، وسرير الذاكرة الذي تعود إليه الشخصيات، ومنصة الاعتراف التي تتعرى فوقها الأرواح، استثمره المخرج بأكثر من وظيفة؛ مكان للراحة، ثم منصة للمحاكمة، ثم طاولة تشريح نفسي، تغيرت علاقة الممثلين به مع تغير حالتهم النفسية، ليكتسب معنى جديداً في كل مشهد، مؤكداً أنه عولج بوصفه علامة مسرحية لا قطعة ديكور.
اما سطل الماء فكان أكثر مفردات العرض رمزية، فالماء هنا لا يغسل الأجساد، بل الضمائر، ولا يمنح خلاصاً مجانياً، بل يجبر على المرور عبر اعتراف مؤلم، كل اقتراب من الماء كان اقتراباً من الحقيقة، وكل ملامسة له كانت إعلاناً عن سقوط قناع، حتى حين يتحول الماء إلى أداة عقاب، لا يفقد رمزيته التطهيرية، فالعقاب ليس انتقاماً، بل محاولة أخيرة لاستعادة الإنسان، جعل المخرج من السطل شخصية صامتة تشهد الاعترافات والانهيارات، حتى صار وجوده كافياً لإثارة التوتر، إنها علامة بصرية تختصر فكرة النص كله.
ولم تؤدي الإضاءة وظيفة تقنية، بل كانت جزءاً من السرد الدرامي، استخدمها المخرج لكتابة المشاعر، وليس لإنارة المكان، كل انتقال ضوئي عكس انتقالاً في الحالة النفسية، وكل بقعة ضوء حددت موقع الحقيقة، لم تكن العتمة نقيضاً للنور، بل شريكاً له؛ فالظلال كانت أحياناً أكثر تعبيراً، وكأن الشخصيات تختبئ في ذاكرتها ثم تخرج مع اتساع الإنارة، كما نجحت الإضاءة في الفصل بين الأزمنة والواقع والاسترجاع دون الحاجة لتغيير الديكور، مما منح العرض إيقاعاً بصرياً هادئاً ومؤثراً.
وكان تعاون المخرج مع “هونرگه ولات” لتقديم موسيقى خاصة بالعرض خطوة مهمة في استكمال تقديم عرض مسرحي شامل وكامل الجوانب والمضامين الحسية و الشعورية، تلك الموسيقا التي تم إنتاجها خصيصاً للعرض، والتي نفذها الفنانون ايفان هندي ودانيال تاج، بقيادة المايسترو محمود برازي بكل جمالية وإبداع.
فلم تكن الموسيقى خلفية صوتية، بل صوت الضمير نفسه، تدخل حين يعجز الحوار عن التعبير، وتنسحب حين يكون الصمت أبلغ، اندمجت مع المشهد حتى صارت جزءاً من إيقاعه الداخلي، أما المؤثرات الصوتية، فعمّقت الإحساس بالعزلة والاختناق دون مبالغة، وكأنها تصدر من داخل الشخصيات لا من خارجها، لقد أسهمت الموسيقى والمؤثرات في تشكيل هوية العرض الجمالية، متجاوزة دورها التقني إلى دور إبداعي خالص.
يحتفي النقد الحقيقي بالمنجز الفني، ويضيء أيضاً المناطق التي يمكن أن تمنح العمل قوة أكبر، من هذه الزاوية، يمكن تسجيل الملاحظات التالية، فعلى مستوى الحوار، ورغم عمق النص، اتجهت بعض المقاطع الحوارية إلى الشرح المباشر وكأنها تفسر دوافع الشخصيات للمشاهد، كان العرض يمتلك من الإمكانات البصرية والتمثيلية ما يغنيه عن ذلك، كان بالإمكان اختزال بعض الحوارات ومنح الصمت مساحة أوسع؛ فنظرة من هيفيدار سعدون أو تردد من شيروان ملا كانت تقول أحياناً أكثر من عدة جمل.
وفي الجانب الآخر تحدثت الشخصيات الثلاث، في بعض المقاطع، بالمستوى اللغوي نفسه رغم اختلاف خلفياتها، كان يمكن أن تكون لغة المحامي أكثر عقلانية في البداية قبل أن تتصدع، ولغة السجينة أكثر اختزالاً لأنها وصلت إلى قناعة نهائية، ولغة الصديقة أكثر اضطراباً وارتباكاً، إن منح كل شخصية قاموسها الخاص كان سيعمّق بناءها واستقلالها.
استطاع العرض أن يحافظ على إيقاع متوازن، لكن بعض المقاطع الحوارية الطويلة، خاصة في المنتصف، أبطأته قليلاً مع تكرار بعض الأفكار بصيغ مختلفة، كان بالإمكان ضغط هذه المشاهد لزيادة التكثيف، دون المساس بجوهر النص، كما أن بعض الاعترافات جاءت مبكرة نسبياً، فكشفت جزءاً من التوتر قبل أوانه، لو احتُفظ ببعض الأسرار حتى المشاهد الأخيرة، لازداد منحنى التشويق عمقاً، ومع ذلك، ظل هذا البطء منضبطاً بفضل الأداء والموسيقى والإضاءة.
وفرضت طبيعة النص الحوارية قدراً من السكون البصري، لكن بعض المشاهد كانت لتستفيد من تنويع حركي أكبر، خاصة مع المرونة الجسدية التي امتلكها الممثلون واتساع الرقعة المسرحية، ومع ذلك، فإن هذا السكون كان خياراً جمالياً ناتجاً عن احترام إيقاع النص، يمكن الاتفاق أو الاختلاف معه، ولم يكن ضعفاً إخراجياً.
لا يمكن وضع تجربة محمد رسول في مدرسة مسرحية واحدة، بل تتفاعل رؤيته مع مناهج حديثة متعددة دون أن تستسلم لأي منها، على مستوى بناء الشخصية، يظهر مفهوم الواقعية النفسية الستانسلافسكية، حيث تعيش الشخصيات دوافعها الداخلية أولاً، فينطلق الممثل من منطق الشخصية لا من النص فقط، مما منح الأداء صدقاً إنسانياً، وفي اللغة البصرية، يقترب العرض من مرتكزات المسرح الفقير لغروتوفسكي، القائم على العلاقة الحية بين الممثل والجمهور لا على كثرة الديكور، فكان الجسد هو الأداة الأساسية لإنتاج المعنى، كما ينفتح العرض على المسرح التعبيري، فتتحول الزنزانة إلى استعارة لحصار الضمير، والسرير إلى علامة للجرح الأول، وسطل الماء إلى رمز مركزي للتطهير والعقاب، لتصبح السينوغرافيا لغة موازية لا مجرد خلفية، وعلى مستوى الفضاء، تتجلى رؤية بيتر بروك في أن الفراغ المسرحي لا يحيا إلا بعبور ممثل صادق، وهذا ما تحقق، ومع ذلك، يعيد محمد رسول إنتاج هذه التجارب داخل بيئة كردية ذات خصوصية ثقافية، فلا يشعر المتلقي بأنه أمام عرض يقلد المسرح الأوروبي، بل أمام عرض كردي حديث، يستفيد من منجزات المسرح العالمي دون أن يفقد صوته المحلي.
يؤكد “حاول مرة أخرى” أن المسرح الكردي يعيش مرحلة نضج فني تستحق التقدير، فهو يقدم نموذجاً متكاملاً يجمع بين النص الجيد، والترجمة الواعية، والإخراج المدروس، والأداء الناضج، والسينوغرافيا التي تخدم الفكرة ولا تطغى عليها، لقد تحول نص صالح كرامة العامري إلى تجربة كردية نابضة بالحياة دون أن تفقد بعدها الإنساني، في تأكيد على قدرة المسرح الكردي على استيعاب نصوص من ثقافات مختلفة وإعادة إنتاجها محلياً، وهو انتصار للجمع بين المحلي والكوني.
يكشف العرض أيضاً عن قيمة العمل المؤسساتي الذي يقوده كومين المسرح في خلق بيئة إنتاجية مستقرة وبناء جمهور دائم، وأيضاً من خلال التعامل الفني مع “هونرگه ولات”، إضافة إلى إيمان المخرج بالممثلين وفنانين قادرين على تقمص وتجسيد الأدوار، وذلك ما يبرهنه المخرج محمد رسول من خلال الاستثمار في تدريب الممثل الذي يعتبر الطريق الأرسخ لصناعة مسرح قادر على الاستمرار والإبداع، وقد نجح محمد رسول أيضاً في تحويل العناصر البسيطة – السرير، الماء، الضوء، الصمت – إلى مفردات ذات كثافة رمزية دون مباشرة، بفضل خبرته في بناء علاقة عضوية بين الممثل والفضاء، حيث تصبح كل إيماءة وكل لحظة صمت جزءاً من اللغة الدرامية.
العرض لا يقدم إجابات جاهزة، بل يترك المتلقي في مواجهة أسئلة كبرى: هل يكفي الاعتراف للتكفير؟ هل يحقق القانون عدالة والضمير أسير؟ هل السجن جدران، أم ذاكرة يظل الإنسان أسيرها حتى وهو طليق؟ إنها دعوة للتأمل في هشاشة الإنسان وحاجته الدائمة للتطهر بالحقيقة، وهذا هو المعيار الحقيقي للمسرح الكبير في أن تنطفئ الأضواء وتُسدل الستارة، ويبقى العرض مستمراً في ذاكرة المتلقي، حاملاً أسئلة أكثر عمقاً عن الذات والعالم، بهدوء وثقة.
يعلن العرض المسرحي “حاول مرة اخرى” وباللغة الكردية، أن المسرح الكردي دخل مرحلة إنتاج الجمال وصناعة المعرفة، حيث يغادر المتفرج القاعة وقد عاش تجربة وجودية كاملة، وذلك هو الانتصار الحقيقي في أن يبدأ العرض حيث ينتهي، في داخل الإنسان، حيث القضية الكبرى التي يولد منها المسرح ويعود إليها.
بطاقة العمل
اسم العمل حاول مرة اخرى
النص للكاتب الإماراتي صالح كرامة العامري
ترجمة عمران يوسف
اعداد وإخراج محمد رسول
تمثيل : هيڤيدار شيخ سعدون ، شيروان ملا، بشرى خزيم.
التأليف الموسيقي: هونرگه ولات (ايفان هندي، دانيار تاج)
إضاءة: ابراهيم احمد
ديكور وتنفيذ الموسيقا المسرحية: آلان بيكس
