بقلم الصحفية : هورين حسن
يصادف اليوم، الثاني من تشرين الأول/أكتوبر 2026، اليوم السعيد الذي يتنزّل فيه الوحي الإنساني فجأة على كوكبنا، ليتذكر الجهابذة في نيويورك، أن هناك رجلاً نحيفاً تاريخياً اسمه”المهاتما غاندي”.
كان يرتدي رداءً يشبه مفرش الطاولة ويصوم حتى يدوخ ليغير العالم بـ “اللاعنف” وطبعاً، احتفالاً بهذه الذكرى العظيمة، تقرر منظماتنا الدولية الموقرة ومؤسساتنا العتيدة ممارسة أرقى أنواع الكوميديا السوداء؛ حيث ينطلق سيل جارف من البيانات الصحفية التي تكاد تبكي من فرط الإنسانية، وتُقام ورش عمل عاجلة في قاعات الفنادق الفاخرة ذات الخمس نجوم.
هناك، تجلس النخب المخملية وخلف الميكروفونات المطلية بالذهب، لتلتهم الكرواسون الفرنسي الفاخر، وتشرب القهوة الأمريكية الساخنة، وهي تناقش بكثير من القلق الدبلوماسي العارم والدموع المصطنعة، كيف يمكن للمواطن المطحون، الذي يعيش تحت خط الصفر ويخوض معركة ملحمية مع بائع الخضار، أن يتوقف فوراً عن العنف ويعتنق طاقة الحب والسلام ويفترش الأرض بالورود!
يبدو أن هؤلاء السادة يظنون أننا نعيش في “ديزني لاند”، ولا يعلمون أن العنف في واقعنا أصبح هو،الخيار الافتراضي لإنهاء أي نقاش حول أولوية المرور في الشارع، وأن كلمة “اللاعنف” أصبحت نكتة سمجة يتداولها الناس في طوابير الخبز والمحروقات ليخففوا عن أنفسهم جلطات الواقع.
بيزنس السلام
إذا أردت أن تضحك حد البكاء، فما عليك إلا بمراقبة منظومة “كل شيء” الفاشلة في بلادنا، الفساد الإداري والمالي حوّل قضية “نشر السلام” إلى مجرد مشروع تجاري يبحث عن تمويل خارجي.
تجتمع المنظمات لتلقي محاضرات نظرية مملّة حول “الحوار الديمقراطي”، بينما يخرج المواطن من قاعتهم المكيفة ليصطدم بالواقع في الشارع، فقر مدقع، بطالة خانقة، وتضخم مالي يمارس العنف ضد جيبه كل صباح.
تصدر الحكومات بيانات شجب، والمنظمات تطبع بروشورات ملونة على ورق فاخر، بينما الناس يمارسون “اللاعنف” قسراً فقط لأنهم لا يملكون ثمن السلاح!
إنه الفشل الشامل والكامل، لكنه مغلف بابتسامات بروتوكولية عريضة أمام كاميرات التلفزيون.
فخ التبعية
أما على جبهة العنف الاقتصادي وضد النساء، فالأمر يتجاوز حدود السخرية السوداء، ليدخل كتاب غينيس للأرقام القياسية في مجتمعاتنا، يمارس بعض الرجال العنف الاقتصادي بكفاءة تحسدها عليها البنوك السويسرية والشركات الاحتكارية؛ حيث تُجرد المرأة من راتبها، أو يُصادر ميراثها شرعاً وقانوناً تحت بند “العيب” أو “حق الكبير” أو “البر العائلي”. هنا، تتحول التبعية المالية إلى عقد إذعان مطلق، وحبل مشنقة يربط مصير المرأة بمعنفها لمجرد أنها لا تملك ثمن كارت شحن لهاتفها.
وبما أن البنوك التقليدية تطلب أوراقاً وتوقيعات قد تفتح أبواب جهنم المنزلية، وبما أن العنف الاقتصادي يمتلك مجسات تفوق رادارات حلف الناتو؛ إليكِ دليل البقاء الذاتي بعيداً عن أعين المتربصين براتبكِ أو “تحويشة” المطبخ:
-البنك الموازي: الأماكن التي يكره الرجل الاقتراب منها، هي أماكن الصيانة والنظافة العميقة، ظرف بلاستيكي مغلق ومثبت بشريط لاصق خلف الغسالة أو في عمق خزانة المطبخ (خلف أكياس العدس والفاصولياء) هو مكان آمن جداً.
-علب الكريم: علبة كريم باهظة الثمن فرغت منذ عام، لا ترميها، إنها الحصالة المثالية لورقات النقد من الفئات الكبيرة، لن يجرؤ أحد على فتح علبة كريم “مكافحة التجاعيد” خوفاً من الغرق في التفاصيل النسائية.
درع الإفلاس: كوني دائماً في حالة شكوى مالية مستمرة، إذا علم الرادار أنكِ تمتلكين فائضاً، سيبدأ العنف الاقتصادي فوراً تحت مسميات، الظروف الصعبة أو واجب المشاركة، البكاء على الأطلال المالية هو درعكِ الواقي.
ذهب الفالصو: الكاش في اليد مغرٍ للسرقة، إذا توفر لديكِ مبلغ، حوليه فوراً إلى قطع ذهبية صغيرة وخفيفة (خواتم، أساور رفيعة). عندما يسألكِ الرادار عنها، قولي ببساطة: هذا فالصو اشتريته للزينة بمليمين، الذهب زينة وخزينة، ولا ينتبه الرجال لفرق العيار.
-التطبيق المخفي: استغلي خط هاتف مسجل باسم صديقة أو قريبة موثوقة جداً لإنشاء محفظة إلكترونية على الهاتف لا يعرف عنها أحد.
ألغي تفعيل الإشعارات الظاهرة على الشاشة واجعلي التطبيق مخفياً تحت اسم ممل مثل “تحديث النظام” أو “الآلة الحاسبة”.
-حقيبة الطوارئ: في غياب قانون يحمي، تصبح حقيبة الطوارئ المخفية بعناية في خزانة الملابس، والتي تحتوي على الهوية، وجواز السفر، وبضع ورقات نقدية، هي الصديق الوفي والوحيد عند اشتداد الأزمات وحدوث الانفجار الجسدي.
قانون الحارة
عندما تسقط هيبة المؤسسات، لا يتبقى للمجتمع الصغير سوى العودة إلى أسلوب “الحارة القديمة” لإدارة شؤونه:
النبذ الاجتماعي: بما أن المعنف لا يخاف من القانون الغائب أو المشغول، فلنجعله يخاف من نظرات جيرانه.
مقاطعة البلطجي في المناسبات، وعدم إلقاء السلام عليه، واعتبار ضرب النساء فضيحة للرجولة وليس مفخرة، هو الرادع البديل والمتاح مجاناً.
التربية البديلة: التوقف عن تربية الأطفال بالضرب المبرح والصراخ، ثم التساؤل بدهشة وبلاهة في البرامج الحوارية: “يا إلهي، من أين تعلم هذا الجيل كل هذا العنف والعدوانية؟!”.
رصاصة الختام
بينما يستمر الجهابذة والمسؤولون في كتابة تقاريرهم السنوية الطويلة المليئة بمصطلحات “الجندر” و”تمكين المرأة” لتبرير الميزانيات.
سيبقى “اللاعنف” بالنسبة لنا نحن سكان الأرض، وباءً نحاول النجاة منه، ومعركة يومية قاسية للبقاء، تُخاض بأدوات بدائية ووعي ذاتي خالص، بعيداً جداً عن أوهام المؤسسات الكرتونية التي تظن أن العالم يمكن إصلاحه بـ “هاشتاغ” على منصات التواصل الاجتماعي
