بقلم الكاتب: عبد الوهاب خليل
لم يعد مفهوم السيادة الوطنية اليوم كما كان عليه في ستينيات القرن الماضي
فالعالم تغير بشكل كبير وأصبحت الدول اكثر ترابطا وتشابكا ولم تعد الحدود قادرة على عزل دولة عن محيطها في الاقتصاد او الامن او الطاقة او التجارة او المياه او حتى في مواجهة الازمات
في الماضي كانت السيادة تعني بشكل اساسي سيطرة الدولة الكاملة على حدودها وقرارها السياسي واقتصادها وعملتها ومؤسساتها اما اليوم فقد ظهرت مفاهيم جديدة تقوم على التعاون وتقاسم بعض الاختصاصات وبناء مؤسسات مشتركة بين مجموعة من الدول
ويقدم الاتحاد الاوروبي نموذجا واضحا لهذا التحول فقد اختارت دول اوروبية عديدة ان تتعاون ضمن مؤسسات مشتركة وسوق واحدة وبرلمان اوروبي كما اعتمدت مجموعة من هذه الدول عملة موحدة هي اليورو
ومع ذلك لم تختف الدول الوطنية ولم تختف هوياتها او مؤسساتها بل اصبح هناك نوع جديد من العلاقة بين السيادة الوطنية والعمل المشترك
ومن هنا يمكن طرح سؤال مهم
لماذا لا يمكن التفكير في نموذج اقليمي مشابه في الشرق الاوسط
لا يعني ذلك نسخ التجربة الاوروبية كما هي فلكل منطقة ظروفها وتاريخها وخصوصيتها ولكن يمكن الاستفادة من الفكرة الاساسية وهي ان التعاون بين الدول قد يكون وسيلة لتعزيز قوتها وليس انتقاصا من سيادتها
فالشرق الاوسط يمتلك الكثير من المقومات التي تسمح بقيام شبكة واسعة من المصالح المشتركة
يمكن التعاون في الطاقة والمياه والغذاء والنقل والتجارة والاستثمار واعادة الاعمار وربط شبكات الكهرباء والطرق والموانئ وتسهيل حركة البضائع ورؤوس الاموال
ومع الوقت يمكن ان تتطور هذه العلاقات الى مؤسسات اقليمية مشتركة والى اشكال اوسع من التنسيق الاقتصادي والسياسي والامني بين الدول الراغبة في ذلك
وهنا يصبح مفهوم الامن الوطني اكثر اتساعا
فامن الدولة لم يعد عسكريا فقط بل اصبح يشمل امنها الاقتصادي والغذائي والمائي والطاقوي والاجتماعي
ومن الصعب على دولة واحدة ان تحقق كل هذه الاحتياجات بمفردها لذلك فان بناء شبكة من العلاقات الاقليمية يمكن ان يصبح جزءا من حماية السيادة الوطنية نفسها
وفي هذا السياق يمكن النظر الى التحرك السوري نحو توسيع العلاقات الاقتصادية والاقليمية باعتباره خطوة في هذا الاتجاه
لكن نجاح هذا المسار لا يمكن ان يعتمد على دولة واحدة فقط بل يحتاج الى دول اخرى مستعدة للتعاون والانخراط في مشاريع مشتركة تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل
المسألة في النهاية ليست التخلي عن السيادة الوطنية ولا الغاء الحدود او الدول
بل ربما حان الوقت لاعادة تعريف السيادة بما يتناسب مع عالم جديد
سيادة لا تعني الانغلاق
ودولة لا تعمل منفردة
بل دولة تحافظ على قرارها وهويتها ومصالحها وفي الوقت نفسه تبني شبكة قوية من العلاقات مع محيطها
فقد تكون قوة الدولة في المستقبل مرتبطة ليس فقط بما تملكه داخل حدودها بل ايضا بما تستطيع ان تبنيه من شراكات خارجها
ومن هنا يمكن ان يبدأ التفكير في شرق اوسط جديد لا يقوم فقط على الجغرافيا والحدود بل على المصالح المشتركة والتكامل والتضامن الاقليمي
