هناك أيام تمرّ على الشعوب مثل غيرها من الأيام، وهناك أيام تشعر فيها الشعوب أن شيئاً من تاريخها يتحرك أمام أعينها.
وإعلان توحيد قوات البيشمركة في إقليم كوردستان تحت مظلة وزارة البيشمركة ليس مجرد خبر عسكري أو إجراء إداري. إنه مشهد يحمل في داخله ذاكرة عقود من النضال، وأحلام أجيال من الكورد الذين حلموا بأن يروا القوة الكوردية موحدة، لا تتوزع بين الولاءات الحزبية، بل تقف تحت راية مؤسسة وطنية واحدة.
إنها لحظة تستحق الفرح… لكنها تستحق أيضاً التفكير. فالفرح الحقيقي لا يكون فقط بتوحيد البنادق، وإنما بتحويل هذه الوحدة إلى مؤسسة راسخة، ثم تحويل المؤسسة إلى ثقافة سياسية، والثقافة السياسية إلى وحدة في القرار عندما يتعلق الأمر بالمصالح القومية والاستراتيجية للشعب الكوردي.
من بندقية الحزب إلى مؤسسة الوطن
البيشمركة ليست مجرد قوات عسكرية.
هي تاريخ طويل من الجبال والقرى والأنفال والشهداء والمقاومة، وهي اسم ارتبط في الوجدان الكوردي بالدفاع عن الأرض والكرامة.
لكن القوة العسكرية تصبح أكثر رسوخاً عندما تنتقل من إطار الانتماءات الحزبية إلى إطار المؤسسة الوطنية.
ولهذا فإن وضع قوات الوحدتين 70 و80 ضمن منظومة وزارة البيشمركة، وإعادة تنظيمها في هيكل عسكري موحد، يحمل معنى يتجاوز الأرقام والفرق والألوية.
المعنى الأهم هو أن السلاح الذي حمله الكوردي دفاعاً عن شعبه يجب أن يكون تحت قرار مؤسساتي واحد، وقانون واحد، ومسؤولية واحدة.
وهذه ليست خسارة لأي حزب.
بل على العكس، إنها مكسب لكل الأحزاب، لأن الحزب الذي يربح مؤسسة وطنية قوية لا يخسر قوته السياسية؛ وإنما يتخلص من عبء تحويل المؤسسات الأمنية والعسكرية إلى ساحات للتنافس السياسي.
لماذا الآن؟
لأن المنطقة لا تنتظر أحداً.
العراق أمام مرحلة أمنية وسياسية جديدة مع انتقال مهمة التحالف الدولي، والشرق الأوسط يعيش تحولات متسارعة، والحدود السياسية التي تبدو ثابتة اليوم يمكن أن تتغير معادلاتها غداً.
وفي مثل هذه الظروف، لا يستطيع أي شعب أن يحمي مصالحه اعتماداً على الحسابات القديمة وحدها.
القوة تحتاج إلى تنظيم والتنظيم يحتاج إلى مؤسسة والمؤسسة تحتاج إلى قرار والقرار يحتاج إلى وحدة سياسية في القضايا الكبرى.
ولهذا فإن توحيد البيشمركة في هذه المرحلة يحمل أهمية خاصة؛ لأنه يأتي في وقت يحتاج فيه إقليم كوردستان إلى أن تكون لديه مؤسسة دفاعية واضحة قادرة على حماية أمنه والتنسيق مع مؤسسات الدولة العراقية والاستفادة في الوقت نفسه من علاقاته الدولية.
المرحلة المقبلة ليست مرحلة انتظار، بل مرحلة استعداد من وحدة السلاح إلى وحدة القرار
وهنا يصل بنا السؤال إلى النقطة الأكثر حساسية:
إذا استطاع الكورد أن يوحدوا البيشمركة، فلماذا لا يستطيعون توحيد قرارهم السياسي؟
إذا أمكن أن يجلس العسكريون على طاولة واحدة من أجل بناء مؤسسة مشتركة، فلماذا تبقى السياسة أسيرة الحسابات الحزبية عندما يتعلق الأمر بمصالح الشعب؟
هذه ليست دعوة إلى حزب واحد وليست دعوة إلى إلغاء المعارضة وليست دعوة إلى إلغاء التعددية السياسية بل العكس تماماً.
التعددية السياسية قوة عندما تكون داخل مؤسسات الدولة، لكنها تتحول إلى نقطة ضعف عندما تتحول الخلافات الحزبية إلى انقسام في المؤسسات الوطنية.
الكورد بحاجة إلى أحزاب مختلفة، وبرامج مختلفة، ومنافسة انتخابية حقيقية.
لكنهم بحاجة أيضاً إلى اتفاق على القضايا التي لا يجوز أن تكون رهينة للخلافات الحزبية:
أمن كوردستان.
حقوق شعب كوردستان.
العلاقة مع بغداد.
حماية المكتسبات الدستورية.
المصالح الاقتصادية والاستراتيجية.
والتعامل مع التحولات الإقليمية والدولية.
هذه الملفات تحتاج إلى مرجعية سياسية مشتركة، لا إلى إلغاء الاختلاف.
حكومة ينتظرها شعب كوردستان
وهنا تأتي قضية تشكيل حكومة الإقليم.
لقد انتظر شعب كوردستان طويلاً بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة، ولا ينبغي أن تتحول نتائج الانتخابات إلى انتظار مفتوح.
الناس لا تريد فقط بيانات سياسية واجتماعات حزبية.
الناس تريد حكومة.
تريد مؤسسات تعمل.
تريد رواتب وخدمات واقتصاداً مستقراً.
تريد برلماناً فاعلاً.
وتريد أن تشعر بأن صوتها الانتخابي أصبح قراراً سياسياً ومؤسساتياً.
إن تشكيل حكومة ائتلافية تستند إلى نتائج الانتخابات، وتحظى بتفاهم سياسي واسع، سيكون خطوة موازية لمعنى توحيد البيشمركة.
لأن الدولة لا تكتمل بجيش موحد فقط.
الدولة تحتاج إلى جيش موحد، وحكومة موحدة، وبرلمان فاعل، وقضاء مستقل، وقرار سياسي مسؤول.
كوردستان أمام امتحان التاريخ
الكورد اليوم أمام فرصة، لكنهم أيضاً أمام امتحان.
فالمنطقة من حولهم تتحرك بسرعة.
في سورية هناك مسار سياسي ودستوري جديد، ومسألة حقوق الكورد وموقعهم في الدولة السورية المستقبلية مطروحة على طاولة النقاش.
وفي تركيا هناك حديث عن السلام والاندماج الديمقراطي وحل القضية الكوردية ضمن إطار سياسي وقانوني.
وفي روجافا، تبرز الحاجة إلى ترتيب البيت الكوردي وتوحيد الموقف السياسي والعسكري ضمن خصوصية الواقع السوري.
وفي باشور، يأتي توحيد البيشمركة ليضع أساساً جديداً لعلاقة المؤسسة العسكرية بالقرار السياسي.
وهذه المسارات، رغم اختلاف ظروفها، تلتقي عند حقيقة واحدة: الكورد بحاجة إلى الانتقال من مرحلة ردّ الفعل إلى مرحلة بناء المؤسسات.
لم يعد كافياً أن يكون الكوردي شجاعاً في المعركة.
يجب أن يكون قوياً في السياسة.
لم يعد كافياً أن ينتصر في الجبل.
يجب أن يعرف كيف يحافظ على انتصاره داخل المؤسسات والقوانين والدساتير.
من باشور إلى روجافا إن توحيد البيشمركة يمكن أن يحمل رسالة سياسية أبعد من حدود إقليم كوردستان.
ففي روجافا أيضاً هناك نقاش حول مستقبل القوات الكوردية، وحول العلاقة مع الدولة السورية، وحول كيفية حماية المكتسبات الكوردية من خلال ترتيبات دستورية وقانونية ومؤسساتية.
وفي هذا السياق، فإن مساعي مظلوم عبدي نحو توحيد الصف والموقف الكوردي في روجافا تكتسب أهمية سياسية، ليس باعتبارها نسخة من تجربة باشور، فلكل جزء من كوردستان ظروفه الخاصة، وإنما من حيث المبدأ العام:
لا يمكن بناء قوة وطنية حقيقية من دون مرجعية واضحة، ولا يمكن حماية المكتسبات من دون وحدة سياسية حول القضايا الاستراتيجية.
وهنا يمكن أن تتحول تجربة توحيد البيشمركة إلى درس سياسي مهم لكل القوى الكوردية:
الخلاف السياسي يمكن أن يبقى.
أما الانقسام في القضايا المصيرية، فيجب أن يجد له إطاراً وطنياً.
الوحدة لا تعني أن يصبح الكورد حزباً واحداً
هذه النقطة يجب ألا تُفهم خطأ.
الكورد لا يحتاجون إلى حزب واحد.
بل يحتاجون إلى وحدة وطنية تحمي التعددية الحزبية.
فالاختلاف بين الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني والأحزاب الأخرى ليس مشكلة بحد ذاته؛ المشكلة تبدأ عندما يصبح الخلاف السياسي سبباً في تعطيل مؤسسات الإقليم أو إضعاف القرار الوطني.
الديمقراطية تعني أن نختلف.
لكن الدولة تعني أن نعرف كيف ندير اختلافنا.
وهنا تكمن قيمة البيشمركة الموحدة.
فالمقاتل لا يسأل في ساحة المعركة عن البطاقة الحزبية التي يحملها زميله.
إنه يسأل: من هو العدو؟ ما هي المهمة؟ وما هي مسؤوليتنا؟
هذه الثقافة نفسها يجب أن تنتقل إلى السياسة:
من هو الخطر على مصالح شعبنا؟ وما هي مهمتنا الوطنية؟ وأين يجب أن نتفق؟
ليست القوة في كثرة البنادق
قد يمتلك شعب ما آلاف البنادق، لكنه يبقى ضعيفاً إذا كانت البنادق بلا قرار موحد.
وقد يكون شعب آخر أقل عدداً، لكنه يصبح أقوى عندما تكون مؤسساته واضحة، وقراره منظماً، ومجتمعه متماسكاً.
لذلك فإن توحيد البيشمركة يجب ألا يتوقف عند توحيد الزي والرتب والقيادة.
المطلوب هو بناء مؤسسة عسكرية حديثة ومهنية، تقوم على القانون، والتدريب، والانضباط، والتراتبية العسكرية، والحقوق والواجبات، بعيداً عن التجاذبات الحزبية.
وإذا نجحت هذه العملية، فإنها ستكون واحدة من أهم خطوات بناء دولة المؤسسات في إقليم كوردستان.
يومٌ يفرح فيه الكورد جميعاً
من الطبيعي أن يفرح الكورد بهذا اليوم.
فبعد سنوات طويلة من الانقسام العسكري، رؤية البيشمركة وهي تتجه نحو مؤسسة واحدة تحمل قيمة معنوية وسياسية كبيرة.
لكن أجمل صورة يمكن أن تكتمل بها هذه اللوحة ليست فقط صورة البيشمركة وهي تقف في صف واحد.
بل صورة الأحزاب الكوردية وهي تجلس أيضاً في صف واحد حول طاولة سياسية.
صورة حكومة جديدة تعمل.
صورة برلمان يمارس دوره.
صورة شعب يرى أن خلافات قياداته لا تمنع بناء مستقبله.
هناك، فقط، تكتمل صورة الوحدة.
كلمة إلى القيادات الكوردية
اليوم تقول البيشمركة للسياسة الكوردية، بصورة غير مباشرة:
لقد خطونا نحن خطوة.
فهل تخطون أنتم الخطوة الأخرى؟
لقد بدأ توحيد السلاح.
فهل يبدأ توحيد الكلمة؟
لقد أصبحت المؤسسة العسكرية أقرب إلى المرجعية الوطنية.
فهل تستطيعون بناء مرجعية سياسية مشتركة للقضايا الكبرى؟
هذه ليست منافسة بين العسكري والسياسي.
إنها مسؤولية مشتركة.
فالجندي يحمي الأرض، والسياسي يحمي القرار، والمؤسسة تحمي الاثنين.
خلاصة كلام عندما تتوحد البنادق… يجب ألا تبقى الكلمة متفرقة
في زمن تتغير فيه خرائط النفوذ، وتتبدل فيه التحالفات، وتدخل فيه المنطقة مرحلة لا تشبه ما قبلها، ليس أمام الكورد ترف إضاعة الوقت في صراعات جانبية.
توحيد البيشمركة خطوة كبيرة.
لكنها لا يجب أن تكون نهاية الطريق.
يجب أن تكون بداية الطريق.
بداية لبناء مؤسسة عسكرية وطنية.
وبداية لتشكيل حكومة الإقليم.
وبداية لتفعيل البرلمان.
وبداية لبناء مرجعية سياسية مشتركة في القضايا الاستراتيجية.
وبداية لتجاوز منطق الحزب عندما يتعلق الأمر بمصير الشعب.
فالكورد لا يحتاجون اليوم إلى أن يتفقوا على كل شيء.
يكفي أن يتفقوا على الأشياء التي لا يجوز أن يختلفوا عليها.
يكفي أن يعرفوا أن قوة كل حزب لا تكون في إضعاف المؤسسات، بل في تقويتها.
وأن قوة كل قائد لا تكون في امتلاك المزيد من النفوذ، بل في قدرته على ترك إرث مؤسساتي يخدم الأجيال القادمة.
وأن قوة كوردستان لا تكون في كثرة الرايات، بل في قدرة هذه الرايات على الوقوف تحت سقف وطني واحد.
اليوم توحدت البيشمركة وغداً يجب أن تتوحد الكلمة وبعدها يستطيع الكورد أن يدخلوا مرحلة جديدة: مرحلة حماية المكتسبات، وبناء المؤسسات، وتثبيت الحقوق، والدفاع عن مستقبلهم السياسي والدستوري بالحكمة والقوة والوحدة.
فالبيشمركة ليست مجرد رجال يحملون السلاح.
Pêşmerge rûmeta gelê Kurd e ؛
pêşmerge dîroka berxwedanê ye؛
û yekîtiya wê divê bibe destpêka yekîtiya siyasî ya gelê Kurd.
وإذا كانت وحدة البيشمركة قد جعلت البندقية أقرب إلى راية واحدة، فإن التاريخ يضع أمام القيادات الكوردية سؤالاً أكبر:
متى تصبح الكلمة الكوردية، في القضايا المصيرية، تحت راية واحدة أيضاً؟
