في أزقة مدينة الحسكة وشوارعها المنهكة بالطموحات المؤجلة، تتعدد تطلعات السكان وتتقاطع تفاصيل حياتهم اليومية، لكن لسان حالهم يظل ثابتًا في بوصلة واحدة: البحث عن مقومات حياة كريمة والاستقرار في واقع أكثر هدوءًا.
ضمن استطلاع ميداني رصدت فيه عدستنا نبض الشارع المحلي، طرحنا على عينة من المواطنين سؤالاً افتراضيًا يحمل في طياته الكثير من الشجن والمسؤولية: “لو أُتيحت لك الفرصة لتكون مسؤولاً عن مدينة الحسكة ليوم واحد، ما هو القرار الأول الذي ستتخذه؟”
الإجابات جاءت بمثابة مرآة تعكس خريطة الأزمات الخدمية والمعيشية التي يعايشها أبناء المدينة، واختصرت في آن معًا قائمة الأولويات الملحة.
النظافة والأمن.. مدخل لإعادة الجمال
يرى أحد الشبان من أبناء المدينة أن استعادة الواجهة الحضارية للحسكة تبدأ من تفاصيل الشارع؛ حيث صرّح قائلاً:
”أول شيء سأقوم به هو ملف النظافة. نعاني في الحسكة من نقص واضح في هذا الجانب؛ لذا فإن تنظيف الشوارع وتأمين المياه يمثلان خدمات أساسية يحتاجها المواطن بشدة”.
ولم يغفل الشاب في حديثه الجانب المعنوي والسيادي لإدارة المدينة، مضيفاً: “الأمر الآخر والأكثر أهمية هو توفير الأمن والأمان والاستقرار للجميع. لو كنت مسؤولاً لعملت جاهدًا على جعل المدينة نظيفة تمامًا وتجميل كافة شوارعها بلا استثناء”.
المياه والكهرباء.. عصب الحياة المفقود
على أعتاب متجره المثقل بالهموم الاقتصادية، يضع أحد أصحاب المحال التجارية إصبعه على الجرح الغائر للمدينة، معتبرًا أن أزمة المياه هي العقدة التي يجب تفكيكها أولاً. وقال بنبرة تختزل سنوات من المعاناة:
”والله، أولى أولوياتي ستكون تأمين المياه؛ فالأزمة هنا أساسية ومزمنة. بعد ذلك، سأركز على توفير الكهرباء، ومن ثم خلق فرص العمل”.
ويتابع التاجر رؤيته التنموية بالقول: “العمل يجب أن يسير خطوة بخطوة، لكن تأمين الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء هو حجر الأساس، لاسيما المياه التي نعاني من انقطاعها المستمر منذ سنوات”.
الوقود والعدالة في التوزيع
في مقلب آخر من المدينة، ومن خلف كومة من الكتب والصحف، تحدث رجل مسنّ يمتلك مكتبة، واضعاً مطالب الجيل الكهول على طاولة القرار الافتراضية، حيث ركّز على قطاع الطاقة والتدفئة:
”أتمنى أن يتم إصلاح كل شيء وتوفير المتطلبات الأساسية، وفي مقدمتها زيادة مخصصات المازوت والغاز، والأهم هو توزيعها بشكل عادل”.
وأشار المسنّ إلى الرابط بين الخدمات والاستقرار النفسي للمجتمع قائلاً: “عندما تتوفر هذه الخدمات للمواطنين، سيرتاح الجميع وتتحسن ظروفهم المعيشية، وهذا غاية ما نأمله”.
أحلام الطفولة.. مساحات للفرح
ولم تغب الطفولة عن صياغة مستقبل المدينة؛ إذ عبر طفل التقت به الكاميرا، بابتسامة بريئة لم تخلُ من الطموح، عن رغبته في التغيير بنكهة الفرح، قائلاً:
”لو كنت أنا المسؤول عن مدينة الحسكة، لقمت على الفور بإنشاء وتطوير الحدائق العامة والملاعب الترفيهية للأطفال”.
بالرغم من التباين الظاهري في أولويات المتحدثين، تبعاً لاهتماماتهم وأعمارهم، إلا أن جميع تلك المطالب تلتقي في مصب واحد؛ وهو الارتقاء بالخدمات العامة وتأمين البنية التحتية من مياه وكهرباء وطاقة، إلى جانب تحسين الواقع الاقتصادي وتأمين مساحات آمنة للأطفال.
تتعدد القرارات التي يتمناها الأهالي وتختلف مساراتها، لكن عيون سكان الحسكة تظل شاخصة نحو غدٍ أفضل، بانتظار أن تتحول هذه الأمنيات والقرارات “الافتراضية” إلى واقع ملموس يعيد للمدينة ألقها واستقرارها.
ريبر برو
