مع هبوب أولى نسمات الخريف واقتراب فصل الشتاء، تعود إلى أزقة مدينة عامودا مشاهد طقس سنوي متوارث يحمل اسم «السِّياع» أو «اللِّياس». في هذا الوقت من كل عام، تنشغل عائلات لا تزال متمسكة بنمط العيش التقليدي بإعادة ترميم جدران وأسطح منازلها الطينية، في مشهد يجمع بين الحاجة العملية لتأمين الدفء والحماية، والحرص الوجداني على صون تراث عمراني تتهدده كتل الإسمنت الحديثة.
تتجاوز هذه البيوت كونها مجرد مأوى؛ إذ تمثل جزءاً حياً من الهوية الاجتماعية وذاكرة المكان لأهالي المنطقة، الذين يجدون في خليط التراب والتبن مادة تحفظ حرارة ذكرياتهم قبل أن تقيهم برد الشتاء.
أسرار «الخلطة».. خبرة أجيال وتفاصيل هندسية دقيقة

لا تتم عملية الترميم عشوائياً، بل تخضع لخبرة متوارثة تضمن تماسك الطين وقدرته على العزل. يشرح أحد كبار السن في المدينة خطوات هذا العمل الشاق قائلاً:
«في البداية نجلب التراب، ثم نقوم بنخله وغربلته، ونخلطه مع التبن وننقعه بالماء، ونتركه مخمراً ومنقوعاً لمدة خمسة إلى ستة أيام، وبعدها نضعه على الأسطح. أما بالنسبة للجدران فالأمر يختلف؛ إذ نحرص على تنعيم الطين جيداً، وكلما نُقع وتخمّر لفترة أطول زادت متانته وقوة تماسكه».
ولا تغيب اللمسات الفنية الوقائية عن هذه العمارة؛ إذ يوضح المسن حيلة بيئية تمنع تخريب الأسطح: «نضيف الملح لمنع نمو الأعشاب والنباتات على السطح، بينما نستثني طين الجدران من ذلك».
ويستعيد المسن نوستالجيا التكافل الاجتماعي التي كانت ترافق هذه الطقوس، مستذكراً روح «العونة» أو «الفزعة»، حين كان الجيران يتشاركون الأيدي لإصلاح المنازل بالتناوب، مشدداً على القيمة البيئية للبيت الطيني الذي «يمنح البرودة المنعشة صيفاً، والدفء الطبيعي شتاءً».

صراع الأجيال: دفء الطين في مواجهة «علب الكرتون»
رغم الضغوط العائلية المتزايدة للتحول نحو البناء الإسمنتي الحديث، ترفض أصوات متجذرة في المكان التخلي عن بيوتها. تعبر إحدى السيدات المسنات في عامودا عن تمسكها الصلب بمنزلها الذي تصفه بالتحفة التراثية:
«أولادي يطلبون مني هدمه وبناء منزل إسمنتي، لكني أقول لهم دائماً: ما دمتُ على قيد الحياة سيبقى هذا البيت كما هو، وحين أرحل افعلوا ما تشاؤون. لن أستبدل بيتي أبداً».
وتعقد السيدة مقارنة حادة بين سكنها التقليدي والشقق الحضرية التي تشبهها بـ«علب الكرتون»، موضحة: «في الشقق الحديثة يكاد الجار يسمع أنفاس جاره لشدة الضيق، وتتحرج عند استقبال الضيوف، فضلاً عن تكاليف المحروقات الخانقة للتدفئة. هنا باحتنا واسعة، والسطح فسيح ومريح، وبيت الطين بطبيعته يظل نديّاً في القيظ ودافئاً في المربعانية».
مع كل طبقة طين جديدة يمدّها الأهالي فوق شقوق الجدران قبيل هطول المطر، يثبت أصحاب بيوت الطين في عامودا أن المسألة أعمق من صيانة دورية لمسكن متواضع؛ إنها محاولة حية لتثبيت جذور المكان، وإبقاء شريان التراث نابضاً في وجه التحولات العمرانية السريعة.
تيماء احمد
