بقلم: عبدالوهاب پيراني
كاتب وناقد كردي – سوريا
منذ فجر التاريخ، لم تكن المرأة الكوردية مجرد ظل للرجل أو حضوراً هامشياً في المجتمع، بل كانت الحاضنة الأولى للهوية، وحافظة الذاكرة الجمعية، واليد التي زرعت في نفوس الأبناء حب الأرض والانتماء. ورغم ما فرضته البنى الذكورية التقليدية من قيود اجتماعية وثقافية، ظلت المرأة الكوردية قادرة على قيادة الأسرة، وحماية كيانها الروحي، وحمل أعباء الحياة في أزمنة الفقر والحروب والتهجير، فمن رحم القرى الكوردية، ومن مواسم الحصاد، ومن سهول القمح والقطن، ومن أغنيات الأمهات وحكايات الجدات، تشكل الوجدان الكوردي، وكانت المرأة هي المعلمة الأولى والحارسة الأمينة للغة والتراث والذاكرة.
وفي تاريخ الأدب الكوردي، لم يكن حضور المرأة طارئاً، بل كان امتداداً لذلك الدور الحضاري، فقد استطاعت الكاتبات والشاعرات الكورديات أن يحولن معاناتهن اليومية إلى فعل إبداعي، وأن يجعلن من الكلمة وسيلة للحفاظ على الهوية ومقاومة النسيان.
ومن هذا الامتداد الثقافي والإنساني تبرز تجربة الأديبة والشاعرة الكوردية وهيبة عيسى، التي جاءت من عمق الريف الكوردي الأصيل، حاملة معها ذاكرة السهول والتلال والوديان والقرى، وأحلام الناس البسطاء وآلامهم.
عرفتها عن قرب في مناسبات ثقافية وأدبية عدة، فوجدت فيها تلك المرأة المتواضعة والعفوية، البعيدة عن الادعاء، والقريبة من الناس وهمومهم، وفي حديثها كما في كتاباتها، يبرز الحس الأمومي بوصفه عنصراً أساسياً في رؤيتها للحياة، فهي تؤمن بأن الأدب ليس ترفاً فكرياً، بل رسالة أخلاقية وإنسانية، وأن الكلمة الصادقة تستطيع أن تداوي بعض ما تتركه الحياة من ندوب.
ولعل المقولة الشهيرة: «وراء كل رجل عظيم امرأة عظيمة»، تأخذ منحى آخر في تجربتها، إذ يمكن القول إن وراء كل امرأة عظيمة رجلاً عظيماً يؤمن بها، فقد كان زوجها الصديق عيسى شيخو، خير سند لتجربتها الأدبية، ومؤمناً بقدرتها على العطاء، الأمر الذي منحها الثقة والطمأنينة للاستمرار في مشروعها الثقافي، وليؤكد أن الإبداع الحقيقي ينمو في بيئة من المحبة والاحترام المتبادل.
تكتب وهيبة عيسى بلغتها الكوردية الأم، وكأنها تستعيد عبر الكلمات حقاً تاريخياً طالما تعرض للتهميش والمنع، فاللغة بالنسبة إليها ليست أداة تعبير فحسب، بل بيتاً روحياً وذاكرة جمعية وموقفاً وجودياً.
في قصائدها تتجاور مشاعر الحب والحنين مع الوجع والأمل، وتختلط صورة المرأة بصورة الوطن، لتتحول الكتابة إلى نوع من الوفاء للذات وللأرض وللناس البسطاء.
وقد تجلت هذه الروح بوضوح في كتابها الأول «Êş û Kul ji Kaniya Dil» (الأوجاع والألم من ينبوع القلب)، حيث قدمت نصوصاً تنبع من التجربة الحياتية ومن ذاكرة مليئة بالتفاصيل الإنسانية، ثم واصلت مشروعها الإبداعي بإصدار مجموعتها الشعرية الثانية «Gerdena Zêrîn» (العقد الذهبي) من النمسا، حيث تقيم حالياً.
وفي هذين العملين، كما في مجمل نصوصها، نلحظ بساطة التعبير ووضوح الفكرة والابتعاد عن التعقيد اللغوي والزخرفة البلاغية، وهو خيار جمالي يجعل النص قريباً من القارئ، ومنسجماً مع روح الأدب الشعبي الكوردي القائم على العفوية والصدق، ومع روح الامثال والحكم الشعبية المتوارثة من خلال التجارب الحياتية.
وتحضر المرأة في نصوصها لا باعتبارها ضحية أو كائناً مهمشاً، بل باعتبارها مصدر الحياة وحاملة الذاكرة وحارسة القيم، كما يحضر الوطن بوصفه مكاناً روحياً لا تغادره الروح مهما ابتعد الجسد.
ولذلك فإن الحنين ليس مجرد موضوع في شعرها، بل حالة وجودية مستمرة، تتجلى في الصور والرموز واللغة المشبعة بروائح الطفولة والقرية والأهل.
ومع انتقالها إلى أوروبا، لم تتحول الغربة إلى قطيعة مع الجذور، بل أصبحت فضاءً جديداً للعطاء، فقد واصلت نشاطها الثقافي بين أبناء الجالية الكوردية، وشاركت في الفعاليات الأدبية والثقافية، محافظة على شغفها القديم باللغة الكوردية، ذلك الشغف الذي ولد في سنوات القمع والتهميش، حين كان نظام البعث الشوفيني يسعى إلى محو اللغة والهوية، ورغم ذلك ظلت كتاباتها وفية لقضايا شعبها، تفرح لانتصاراته وتحزن لانكساراته، مدركة أن الصراع على الذاكرة لا يقل خطورة عن الصراع على الأرض.
إن تجربة وهيبة عيسى ليست تجربة شاعرة فحسب، بل هي امتداد لصوت المرأة الكوردية التي حملت الوطن في قلبها، وأخذت معها إلى المنافي رائحة التراب الأول وأغنيات الأمهات وحنين القرى البعيدة.
حين نقرأ نصوصها، لا نقرأ مجرد كلمات، بل نصغي إلى ذاكرة شعب بأكمله تتحدث بصوت امرأة، تؤمن أن الأوطان قد تُحتل، والأعمار قد تمضي، والإنسان قد يغادر وطنه مغرماً عنه، لكن الكلمة الصادقة تبقى شاهدة على الوجود، مثل سنبلة قمح كردية تنحني أمام العاصفة، لكنها لا تنكسر أبداً.
