بقلم : ملك دميرتاش
شهد الملف السوري منعطفاً دراماتيكياً منذ توقيع اتفاقية الاندماج التاريخية في 10 مارس 2025 بين رئيس الإدارة الانتقالية السورية أحمد الشرع، وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الجنرال مظلوم عبدي. هذا الاتفاق الذي أعاد رسم الخارطة السياسية والعسكرية في البلاد، يمر اليوم بمرحلة اختبار حاسمة؛ ففي العاشر من حزيران الجاري، اندفع 1300 مقاتل من أبطال “لواء قامشلو” نحو العاصمة دمشق لتلقي تدريبات عسكرية وضمن مسار إتمام بنود الاتفاقية.
وفي واقع الأمر، يمثل هذا التحرك سابقة كبرى؛ فلم يسبق في التاريخ الكوردي الحديث أن توجهت مثل هذه الأعداد من المقاتلين الكورد إلى العاصمة دمشق. وبعد أن كان يُشاع سابقاً عدم قدرة المقاتلين الكورد حتى على المرور بالقرب من العاصمة، نراهم اليوم يتحركون بهذه الأعداد الكبيرة، بل وبمرافقة وإشراف مباشر من جهاز الأمن العام الذي تولى تأمين وتمشيط الطريق لضمان وصول اللواء بأمان.
ولكن، بين أمل هذه الخطوة الاستراتيجية غير المسبوقة وغصّة التوجس، تعيش العوائل الكوردية في شمال وشرق سوريا حالة من القلق البالغ، في وقت تمر فيه المنطقة بأسرها فوق صفيح ساخن من التحولات الإقليمية والدولية.
قلق مشروع: شبح الخيانة وتاريخ اللدغات المتكررة
بمجرد تحرك مقاتلي “لواء قامشلو” نحو عمق العاصمة دمشق وتحت حراسة الأمن ال عام، خيّم الخوف والوجوم على أهالي هؤلاء الأبطال. هذا القلق ليس نابعاً من ضعف، بل هو خوف مشروع يستند إلى ذاكرة جماعية مثقلة بالغدر، وتحديداً ما تعرض له الكورد من طعنات خيانة سياسية وعسكرية مؤلمة في مطلع عام 2026.
تتساءل الأمهات والآباء في قامشلو والحسكة بكثير من التوجس: هل يمكن الوثوق بالعهود هذه المرة؟ وهل يذهب أبناؤنا ليكونوا جزءاً من معادلة وطنية جديدة، أم أنهم يسيرون نحو فخ آخر؟ إن مرارة الخيبات السابقة تجعل الشارع الكوردي ينظر بريبة حذرة إلى أي تقارب، معتبراً أن الحذر هو السلاح الأول لحماية دماء هؤلاء الشباب.
مشهد إقليمي مأزوم: أعداء مكبلون وإدارة أمريكية صارمة
رغم مشروعية المخاوف الشعبية، إلا أن القراءة الاستراتيجية لواقع الحال في منتصف عام 2026 تشير إلى استبعاد حدوث مواجهة شاملة أو غدر مباشر حالياً. الأطراف التي يخشى الأهالي مكرها تعيش في زاوية ضيقة من الأزمات والضغوطات الداخلية والخارجية التي تمنعها من فتح جبهات جديدة غير محسوبة:
توترات عسكرية بين الحكومة المؤقتة ولبنان قد يتصادمون مع حزب الله، وأيضاً هنالك توتر بين تركيا وإسرائيل، بالتزامن مع المناوشات الإعلامية الحادة وغير المسبوقة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كونها شهدت الآونة الأخيرة تصعيداً لفظياً غير مسبوق وتبادلاً حاداً لرسائل التهديد والاتهامات المباشرة بينهم، حيث تجاوزت التصريحات النقد السياسي لتصل إلى التهديد العسكري والاتهامات بالإبادة والتشبيه بهتلر.
الحرب على إيران: يتركز الانتباه الدولي والإقليمي حالياً على التداعيات العنيفة للحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، مما يجعل الأطراف المحلية والإقليمية في حالة ترقب وتوجس من تغيير موازين القوى الكبرى.
حزم إدارة ترامب: تفرض إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رقابة صارمة على المشهد، حيث يبدو واضحاً أن واشنطن لم تعد تتحمل أي أخطاء أو حماقات عسكرية قد تخلط الأوراق في المنطقة، مما يشكل لجاماً قوياً يمنع أي طرف من التهور.
الخلاصة: الأعداء والمتربصون مأزومون ومقيدون بالمعادلات الدولية الجديدة، مما يقلل من احتمالية الغدر العسكري المباشر في الوقت الراهن.
الكرة في الملعب الكوردي: دعوة للجاهزية واقتناص الفرصة
أمام هذا المشهد المعقد، يتضح أن الخوف من “الأعداء المأزومين” لا يجب أن يتحول إلى حالة شلل سياسي. الكرة الآن باتت بالكامل في ملعب الأحزاب والقوى الكوردية.
إن وصول “لواء قامشلو” إلى دمشق بتنسيق أمني رفيع يجب ألا يُنظر إليه كخطوة استسلامية، بل كاختراق سياسي وعسكري يستوجب أعلى درجات الجاهزية والاستعداد الاستراتيجي. نحن أمام فرصة تاريخية ونادرة؛ فالمنطقة تُعاد صياغتها، والفشل في استغلال هذه اللحظة السياسية والعسكرية بالشكل الأمثل، أو التردد الناجم عن الخوف، قد يؤدي إلى عواقب وخيمة، تصل إلى خسارة حتى المكاسب الذاتية والحقوق الحالية التي تم تحقيقها بأنهار من الدماء والتضحيات سابقاً.
إن المطلوب اليوم من القيادة الكوردية هو التحرك بعقلية رجل الدولة الحذر: عينٌ على تدريب الأبطال وحفظ توازنهم في دمشق، وعينٌ أخرى على اقتناص المكاسب السياسية وتثبيتها في الدستور السوري الجديد، مستغلين انشغال القوى الإقليمية بأزماتها، لضمان ألا تتكرر مآسي الماضي، ولتتحول مخاوف الأهالي إلى نصر استراتيجي يضمن حقوق الشعب الكوردي ومستقبله.
