بقلم : محمود عيسى
يقول المثل الإنساني الخالد: “من لا يعرف قيمة الأشياء ترحل عنه”. هذه الحكمة لا تنطبق فقط على العلاقات البشرية أو الفرص الضائعة، بل تمتد لتُشكل عمق الأزمات الاقتصادية والسياسية التي نعيشها اليوم. لسنوات طويلة، كانت النعم والموارد المتاحة بين أيدينا تُعامل وكأنها شلال متدفق لا ينضب، حتى استيقظ الجميع على واقع مغاير يفرض نفسه بقسوة.
منذ أقل من عام فقط، كان مشهد القطاعات الحيوية في مناطق شمال وشرق سوريا يسير بوتيرة مريحة؛ شركات السفر والرحلات، قطاعات النقل المحلي، وحتى المزارعون الذين كانوا يستهلكون مئات البراميل من مادة المازوت سنوياً بسعرٍ بخس لا يتعدى 0.12 سنت للتر الواحد. كانت تلك الأيام أشبه بفرصة ذهبية للإنتاج والتوفير، لكن غياب الرؤية بعيدة المدى جعل الكثيرين يتعاملون مع هذا السعر كحق أبدي مسلم به، دون التفكير في تقلبات السياسة وموازين القوى.
اليوم، تبدل المشهد تماماً، وأصبح هؤلاء أنفسهم يتذمرون ويشتكون من شراء لتر المازوت بسعر 0.55 سنت، وهو بالمعايير العالمية لا يزال سعراً منخفضاً، لكنه بالمقارنة مع “زمن الوفرة” شكل صدمة قاسية للقطاعات المعتمدة على النفط.
هذا التحول المفاجئ في أسعار المحروقات وتقليص المخصصات لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة مباشرة لمتغيرات سياسية وميدانية كبرى على الأرض. فبعد سنوات من إدارة “الإدارة الذاتية” لحقول النفط في شمال وشرق سوريا، تم تسليم هذه الحقول والآبار إلى الحكومة السورية المركزية.
هذا التسليم أدى مباشرة إلى:
تراجع المخصصات المدعومة التي كانت تمنحها الإدارة الذاتية للقطاعات المحلية.
الاعتماد على أسعار المحروقات الخارجية والتأثر المباشر بتقلبات السوق الداخلية في سوريا.
اضطرار القطاعات الخدمية لمواجهة الواقع الجديد دون غطاء الدعم الكامل الذي اعتادوا عليه.
أمام هذا التذمر من أصحاب الحافلات وشركات النقل بسبب غلاء المحروقات أو تراجع مخصصاتهم، لم يجد هؤلاء حلاً سوى إلقاء العبء بأكمله على كاهل الحلقة الأضعف في هذه السلسلة: المواطن البسيط.
فبدلاً من البحث عن حلول بديلة أو تحمل جزء من المسؤولية، انعكس شُح المازوت المدعوم فوراً على تسعيرة النقل بين المدن بشكل جنوني. على سبيل المثال، قفز سعر تذكرة الرحلة من الحسكة إلى القامشلي ليرتفع ضعفاً ونصف؛ حيث كانت التذكرة تُكلف الراكب 10 آلاف ليرة سورية، ليجد نفسه اليوم مجبراً على دفع 25 ألف ليرة سورية للرحلة ذاتها.
إن الأزمة الحالية في شمال وشرق سوريا هي تجسيد حي لرحيل النعم عندما لا ندرك قيمتها في وقتها. فالوقود الذي كان يُهدر ويُباع بأبخس الأثمان، وُضعت اليد عليه اليوم ليعود ويُباع للمنطقة بأسعار مضاعفة. وما بين تذمر التُجار والشركات، وعودة الحقول لمركزية دمشق، يظل المواطن السوري وحده من يدفع الفاتورة الأغلى من قوته اليومي وقدرته على التنقل والعيش.
