بقلم : ريبر برو
تضعنا المنعطفات التاريخية الكبرى أمام خيارات مصيرية لا تقبل التردد أو الوقوف في ظلال المتفرجين، واليوم يقف مجتمعنا في “روجافايي كوردستان” وسط مخاض عسير، تحاصره الأزمات السياسية وتطوقه الضغوط الاقتصادية، لينبثق من قلب هذا الركام التساؤل الأهم: من يمسك بزمام المبادرة ويقود دفة النجاة؟ إن الإجابة الحتمية التي لا تقبل التأويل تتجسد في طاقات شبابنا؛ فهم ليسوا مجرد رقم ديمغرافي عابر، بل هم النبض الحي للأمة، وحماة هويتها، والركيزة الأساسية لصون المكتسبات. ورغم أن واقعنا الراهن مثقل بضريبة الحرب والنزوح، وحمى الهجرة التي استنزفت خيرة عقولنا وطاقاتنا الواعدة وأفرغت الأرض من دماء تجديدها، إلا أن الاستسلام لم يكن يوماً شيمة لمن ورثوا كبرياء “كاوا الحداد” وإرادته الصلبة.
إن اللحظة الحالية لا تتسع للتباكي على الأطلال أو التذرع بالظروف القاسية، بل تستوجب انتفاضة وعي جادة تدرك أن الريادة المجتمعية ليست هبة تُستجدى من أحد، بل استحقاق يُنتزع انتزاعاً بقوة العلم والمعرفة والعمل المنظم. وهذه الريادة لن ترى النور ما لم تتأسس على قاعدة صلبة من التكاتف الحقيقي والالتحام المصيري؛ فالجهود المشتتة والموزعة بين الولاءات الحزبية الضيقة والتجاذبات الأيديولوجية لن تحصد سوى الخيبات، وقد أنهكت الجسد الكوردي بما يكفي.
ومجتمعنا اليوم يُقاس تلاحمه بمدى قدرة شبابه في الداخل والمهجر على التعالي فوق الخلافات، وبناء جسور فكرية وعملية متينة تضع المصلحة القومية والإنسانية العليا فوق كل اعتبار فئوي، مدركين تماماً أن التشرذم هو التهديد الأكبر الذي يبدد تضحيات الآباء والأجداد.
ولأن القيادة لا تُبنى بالشعارات الرنانة بل بالخطوات الواثقة، فإن على شبابنا التسلح بأدوات العصر، وخوض غمار المعرفة الأكاديمية والتقنية ليكونوا مؤهلين لإدارة مؤسسات الغد، بالتوازي مع قيادة الحراك المدني والعمل التطوعي الذي يرمم النسيج المجتمعي، فضلاً عن حراسة الهوية والثقافة الكوردستانية وتوظيف التكنولوجيا الحديثة لترسيخها، مع تبني وعي سياسي ناضج يلفظ التبعية العمياء وينتصر للفكر النقدي البناء الذي يدفع باتجاه خطاب ديمقراطي عادل يضمن حقوق شعبنا.
إن “روجافايي كوردستان” لم تعد تحتمل ترف الانتقاد من خلف الشاشات، بل تئن بحثاً عن سواعد تبني، وعقول تخطط، وقلوب تنبض بالانتماء.
فيا شبابنا الأحرار، إن التاريخ يكتبه المبادرون ويهمل المتقاعسين، فخذوا مكانكم الطبيعي وتلاحموا، واجعلوا من عنفوانكم وإرادتكم حجر الأساس لغد كوردستاني حر، متماسك، ومزدهر؛ فالمستقبل لا ينتظر أحداً، بل يصنعه الأقوياء بأيديهم.
