بقلم : محمود عيسى
تمر المجتمعات في أوقات الأزمات والتحولات الكبرى بمنعطفات حادة تعيد تشكيل بنيتها الاجتماعية والاقتصادية بشكل كامل. ولعل أبرز ما يميز الواقع المعاش اليوم في العديد من المدن والمجتمعات التي أنهكتها الظروف، هو ذلك الفرز الطبقي الحاد الذي يتجاوز كل الخطوط الحمراء للعدالة الاجتماعية، ليضعنا أمام مشهد غير مسبوق في تاريخ المنطقة المؤثر والحديث.
حين نسير في شوارع مدننا اليوم، لم نعد بحاجة إلى دراسات إحصائية أو تقارير اقتصادية معقدة لنفهم حجم الكارثة؛ فالشواهد البصرية المنتشرة على الأرصفة وفي الساحات تختزل الحكاية بأكملها.
على جانب من الطريق، تتجلى مظاهر الحداثة واقتصاد الظل في أبهى صورها: أبنية حديثة التشييد تتطاول في العمران، وسيارات فارهة وحديثة تملأ الشوارع، ومحال تجارية تعرض سلعاً تفوق القدرة الشرائية للغالبية العظمى من المواطنين. وفي المقابل تماماً، وعلى الرصيف الموازي، يقف إنسان منهك انحنى ظهره تحت ثقل الحاجة، يفتش في حاويات القمامة المهترئة بحثاً عن بلاستيك، أو بقايا كرتون، أو فتات طعام يسد به رمق عائلته.
إن ما نعيشه اليوم يمثل تآكلاً كاملاً للطبقة الوسطى تلك الطبقة التي كانت تاريخياً صمام الأمان لأي مجتمع والموازن الأساسي بين دفتي الغنى والفقر. وبغيابها، انقسم النسيج الاجتماعي بشكل عمودي وقاسٍ إلى فئتين لا تلتقيان
فئة فاحشة الثراء وهي فئة محدودة العدد لكنها شديدة النفوذ المالي، استفادت بشكل مباشر من ظروف الحروب، الأزمات، وغياب الرقابة القانونية والاقتصادية. تمكنت هذه الفئة من تكديس ثروات طائلة، وتتجلى قوتها الشرائية في نمط استهلاكي باذخ يستفز مشاعر الأغلبية الساحقة الصامتة.
فئة ميتة (تحت خط الفقر الصامت): وهي الكتلة البشرية الأكبر التي سحقتها الأسعار المتصاعدة والانهيار المستمر للعملة المحلية والقدرة الشرائية. لم تعد هذه الفئة تبحث عن الرفاهية أو تحسين جودة الحياة، بل أصبح جلّ همها هو “البقاء على قيد الحياة”. الموت هنا ليس جسدياً بالضرورة في كل حين، بل هو موت القدرة على العيش بكرامة، وموت الأمان الاقتصادي، وانعدام القدرة على التخطيط للغد.
إن تحول “نبش الحاويات” وتجميع المخلفات من ظاهرة فردية هامشية إلى قطاع اقتصادي غير رسمي يضم عائلات كاملة، وأطفالاً، ونساءً، وشيوخاً، هو المؤشر الأخطر على أن الفئة العريضة من المجتمع أصبحت تصارع الموت البطولي واليومي ضد الجوع والعدم.
رغم أن ملامح هذا البؤس قد تختلف حدتها من مدينة إلى أخرى، إلا أن المعاناة باتت معولمة داخلياً؛ فالمشهد الذي يراه المواطن في القامشلي هو ذاته الذي يتكرر في الحسكة، دمشق، حلب، وغيرها من الحواضر الإقليمية. لقد دفعت الفاقة والظروف المعيشية القاسية بالناس إلى التخلي عن تحفظاتهم الاجتماعية المعتادة ومواجهة نظرات المجتمع الساخرة أو الشفوقة، فقط من أجل تأمين ثمن ربطة خبز أو دواء مفقود.
تتحمل السياسات الاقتصادية الراهنة، وغياب التوزيع العادل للثروات، واقتصاد الحرب الذي يغذي أطرافاً على حساب قهر أطراف أخرى، المسؤولية الكاملة عن هذا التوحش الطبقي.
إن الصمت عن هذا التفاوت الصارخ يعري زيف أي حديث عن الاستقرار أو التنمية. فالأوطان لا تبنى بالسيارات الفارهة والأبراج الخرسانية بينما يفتش نصف سكانها في القمامة. إننا أمام صرخة حقيقية وتحذير من قنبلة موقوتة تهدد الهوية الإنسانية والأخلاقية للمجتمع قبل أن تهدد أمنه الاقتصادي؛ فالمجتمع الذي ينقسم إلى عالمين—عالم يملك كل شيء وعالم يكافح لئلا يبتلعه العدم—هو مجتمع يقف على حافة هاوية لا يرحم السقوط فيها أحداً.
