يواجه القطاع الزراعي في منطقة الجزيرة أزمة حقيقية تهدد استمراريته هذا العام، عقب صدور التسعيرة الجديدة لشراء مادة القمح من قبل الحكومة السورية المؤقتة، والتي أثارت موجة من الانتقادات في الأوساط الزراعية، وسط مطالبات بإعادة النظر فيها بما يتناسب مع تكاليف الإنتاج المتزايدة.
وفي تصريح خاص لوكالتنا، أكد السيد حسن محمد (مزارع، وتاجر مواد زراعية، وعضو غرفة التجارة في المنطقة) أن قرار تحديد السعر الحالي يمثل “ضربة قاضية” لكاهل الفلاح الذي بات عاجزاً عن تأمين لقمة عيش عائلته أو التفكير في الاستمرار بالزراعة للمواسم المقبلة.

تكاليف باهظة وأسعار مجحفة
وكان سعر شراء القمح خلال الموسم الماضي قد حدد بـ420 دولاراً للطن، إضافة إلى دعم مباشر بلغ 70 دولاراً للطن، ليصل إجمالي ما يحصل عليه المزارع إلى نحو 490 دولاراً للطن. أما التسعيرة الحالية فتُقدّر بنحو 330 إلى 340 دولاراً للطن، في وقت شهدت فيه تكاليف الإنتاج الزراعي واحتياجات المعيشة ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بالعام السابق.
وأوضح حسن محمد أن التوقعات كانت تشير إلى إمكانية تحديد السعر فوق عتبة الـ500 دولار للطن للمرة الأولى، نظراً للارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة وأسعار المحروقات، إلا أن السعر المعلن جاء دون تطلعات المزارعين.
وقال: “في العام الماضي كانت التكاليف أقل بكثير مما هي عليه اليوم، لذلك لا نفهم أسباب تخفيض السعر في ظل الارتفاع المستمر بأسعار مستلزمات الإنتاج”.
وأضاف عضو غرفة التجارة أن الفلاحين تكبدوا مصاريف كبيرة خلال الموسم الحالي، حيث ارتفعت أسعار البذار والأسمدة والمحروقات، مشيراً إلى أن سعر طن السماد تجاوز 740 دولاراً أمريكياً، فضلاً عن ارتفاع أسعار الأكياس والشوالات، ما يجعل العملية الزراعية خاسرة وفق التسعيرة الحالية.
الموسم وفير والمخاطر مستمرة
ورغم أن الموسم الحالي شهد إنتاجاً وفيراً وجيداً من حيث كميات القمح المحصودة، إلا أن المخاوف لا تزال قائمة بشأن قدرة المزارعين على تغطية تكاليفهم والاستمرار في العمل الزراعي خلال المواسم المقبلة.
وفي هذا الصدد، وجه حسن محمد عبر وكالتنا مناشدة عاجلة للجهات المعنية بضرورة تقديم تسهيلات فورية للمزارعين خلال فترة الحصاد الحالية، وأبرزها:
توفير مادة المازوت المدعوم والملائم لعمل الحصادات والجرارات الزراعية لتخفيف الأعباء المادية.
رفع الجاهزية القصوى لفرق الإطفاء وتوزيعها في محيط الأراضي الزراعية والمشاريع لضمان التدخل السريع في حال حدوث حرائق طارئة لحماية المحاصيل.
دعوات للتراجع “القرار يقتل الفلاح”
وفي رده على سؤال حول إمكانية تعديل هذه التسعيرة، شدد محمد على ضرورة تراجع الجهات المعنية عن القرار الحالي وإقرار سعر يتجاوز 500 دولار للطن، معتبراً أن التسعيرة الحالية لا تنسجم مع الواقع الاقتصادي وتكاليف الإنتاج.
ووصف القرارات الحالية بأنها “بمثابة موت وبتر لجهود المزارع والفلاح في هذه المنطقة”.
واختتم حديثه بالتساؤل عن مستقبل القطاع الزراعي قائلاً: “إذا استمر الوضع على هذا النحو، فكيف سيتمكن الفلاح من العودة إلى أرضه في العام المقبل وخدمتها مجدداً؟ إنهم بهذه القرارات يقضون على القطاع الزراعي برمته”.
واقع زراعة القمح شهادات ميدانية تكشف عمق الأزمة
في منطقة الجزيرة، التي طالما شكلت سلة الغذاء التاريخية للمنطقة، تحول موسم حصاد القمح لعام 2026 من رهان على الانفراج الاقتصادي إلى صدمة مادية قاسية للمزارعين. فبالرغم من الهطولات المطرية الغزيرة التي شهدها هذا العام، إلا أن السياسات التسعيرية وتصاعد تكاليف الإنتاج فرضا واقعاً مأساوياً على الأرض.
يقول المزارع محمد كوزي، من أبناء مدينة قامشلو، واصفاً المعاناة الميدانية لمنتجي القمح:
“بعد سنوات عجاف من الجفاف انقطع فيها المطر وتكبدنا خلالها خسائر متتالية، استبشرنا خيراً بأمطار هذا العام (2026). لكن فرحتنا لم تدم، حيث تلقينا صدمتين متتاليتين؛ الأولى تمثلت في التسعيرة الصادمة التي حددتها الحكومة السورية المؤقتة لشراء القمح من الفلاحين والمزارعين والتي لا تزيد عن 340 دولاراً للطن الواحد، في حين أن تكلفة إنتاج هذا الطن من حرث وبذار وأجور عمال وحصاد ونقل تقارب الـ 350 دولاراً، هذا يعني أن السعر المحدد من قبل السلطات لا يغطي حتى تكلفة الإنتاج الأساسية”.

ويضيف كوزي متحدثاً عن لغة الأرقام والخسائر على مستوى الحيازات الصغيرة والمتوسطة:
“قليلة هي المساحات التي سلمت من الخسارة؛ أنا كمزارع زرعنا القمح لكننا واجهنا في البداية مشاكل في جودة البذار المستورد (الفرنسي) الذي لم ينمُ بشكل جيد في بعض الترب، واضطررنا لتعويضه بمصاريف إضافية وسقاية تكميلية لإنقاذه. وبحسب الحسابات الميدانية الجارية الآن في مناطق قامشلو وعامودا والدرباسية وتل كوجر وديريك، فإن كل مزارع يمتلك حيازة متوسطة (حدود 10 دونمات) يخرج هذا الموسم بخسارة صافية لا تقل عن 5000 دولار، بسبب انعدام التكافؤ بين مصاريف الإنتاج الباهظة وأسعار البيع المفروضة”.
المحروقات.. الرصاصة التي أصابت قطاع القمح
يرى المزارعون أن “الصدمة الثانية” والأكثر تأثيراً على محصول القمح هذا العام كانت قرار رفع أسعار المازوت (الوقود المدعوم). وبما أن كل حلقة من حلقات إنتاج القمح مرتبطة بالوقود ارتباطاً عضوياً، فقد قفزت أسعار الحراثة، وتكاليف تشغيل حصادات القمح، وأجور شاحنات النقل التي تنقل المحصول إلى مراكز الاستلام بشكل جنوني، مما جعل الفلاح الحلقة الأضعف التي تتلقى الضربات الاقتصادية وحيداً.
واختتم كوزي حديثه بتوجيه نداء إلى الهيئات والمديريات الزراعية المعنية، طالب فيها بإعادة نظر فورية جدية في أسعار استلام القمح، معقباً: “إذا استمرت هذه السياسة الاقتصادية التي تجبر الفلاح على بيع قمحه بخسارة، فلن يجد أحد في العام المقبل القدرة أو الرغبة في وضع حبة قمح واحدة في الأرض، وهو ما يهدد بانهيار القطاع الزراعي برمته في بلد يعتمد أساساً على أراضيه لتأمين قوته اليومي”.
اعداد تقرير ليان
تصوير سيماف سليمان
