عند مدخل حديقة أفستا (الحديقة العامة)، لا يحتاج الزائر إلى كثير من الوقت ليلفت انتباهه رجل يقف إلى جانب عربة صغيرة محمّلة بالمكسرات والبسكويت. بالنسبة لكثير من أبناء المدينة، لم يعد وجود فهد معصوم، المعروف بـ”أبو علي”، مجرد مشهد عابر، بل أصبح جزءاً من ذاكرة المكان، بعد نحو خمسة وأربعين عاماً قضاها في الموقع ذاته.
رحلة بدأت في الشباب
بدأ أبو علي العمل على هذه العربة وهو في الخامسة عشرة من عمره، ولم تكن مسؤولية بيع المكسرات تقع على عاتقه وحده في البداية. فقد كان والده يقف أمام العربة خلال ساعات النهار بينما يذهب هو إلى عمل آخر، ثم يعود مع حلول المساء ليتسلّم مكانه ويواصل البيع حتى نهاية اليوم. ومع مرور السنوات، أصبحت العربة مسؤوليته الكاملة، وتحولت إلى رفيقة رحلة امتدت لنحو خمسة وأربعين عاماً.واليوم، وبعد أن بلغ الستين من عمره، لا يزال يقف في المكان نفسه، يواجه برد الشتاء وحر الصيف، مستنداً إلى مهنة بسيطة كانت مصدر الرزق الذي أعال به أسرته المكونة من ثمانية أفراد حتى كبر أبناؤه وسلك كل منهم طريقه في الحياة.

العربة… رفيقة العمر
يجلس أبو علي أحياناً على كرسي صغير ليستريح من عناء الوقوف الطويل، قبل أن ينهض مجدداً لاستقبال زبائنه بابتسامته المعتادة.
ويقول:«”هذه ليست مجرد عربة أبيع عليها المكسرات لتأمين لقمة عيشي، بل هي رفيقة دربي. شهدت سنوات عمري، ورأت دموعي قبل أفراحي، وبقيت إلى جانبي طوال هذه السنوات.”»
شاهد على حكايات المدينة
من موقعه الثابت أمام الحديقة، لم يكن أبو علي يبيع المكسرات فحسب، بل كان شاهداً على تفاصيل لا تحصى من حياة المدينة.يرى الأطفال يكبرون عاماً بعد عام، ويستقبل العائلات القادمة للراحة، ويلاحظ لقاءات الأصدقاء، وقصص الحب التي تبدأ بين أشجار الحديقة، كما يودع وجوهاً غابت عن المكان. كل ذلك جعله يشعر بأن عربته ليست مجرد وسيلة للبيع، بل نافذة يطل منها على حياة الناس وتغير الزمن.

حلم بسيط لم يتحقق
ورغم السنوات الطويلة التي قضاها في العمل، لا يزال حلم واحد يرافقه.يقول:«”كنت أتمنى دائماً أن أمتلك محلاً صغيراً لبيع المكسرات، لأرتاح من مشقة الوقوف والعمل في الشارع، لكن الظروف المعيشية والإمكانات المادية لم تسمح لي بتحقيق هذا الحلم.”»
ويضيف:«”إنني أحب عملي كثيراً، ولكن الروتين اليومي الذي رافقني على مدار سنوات طويلة أثر على حبي لهذه المهنة.”»حكاية لا تزال مستمرة مع نهاية كل يوم، يجمع أبو علي ما تيسر من رزقه، ويغادر المكان الذي قضى فيه معظم سنوات عمره، ليعود إليه في صباح اليوم التالي.
قد تبدو عربته للمارين مجرد عربة متواضعة لبيع المكسرات والبسكويت، لكنها بالنسبة إليه تختزن نحو خمسة وأربعين عاماً من التعب والصبر والذكريات، وتحمل حكاية رجل بدأ رحلة الكفاح إلى جانب والده، قبل أن تصبح العربة مسؤوليته الكاملة، وما يزال حتى اليوم يكتب فصول حكايته على رصيف حديقة أفستا.
ليان/ سيماف سليمان
