تواجه الحركة السياسية الكردية في (روج آفا) انتقادات متزايدة من قِبل أوساط مجتمعية وثقافية محلية، تتركز في مجملها حول ظاهرة “التضخم الحزبي” وتراجع الدور التمثيلي للأحزاب لصالح الحسابات الفردية والعائلية، وسط مطالبات حثيثة بضرورة إعادة ترتيب البيت الداخلي وعقد مؤتمر وطني شامل يتجاوز التجاذبات الضيقة.

تضخم كمّي وأزمة تمثيل
في قراءة للمشهد الحزبي الراهن، يرى المراقب الشأن العام، محمد حسين، أن المفهوم الجوهري للعمل الحزبي ينبغي أن يستند إلى كونه “واجهة تمثيلية وتطوعية تعكس تطلعات المجتمع بمختلف أطيافه”. ومقارنةً بهذا المفهوم، يشير حسين إلى أن وجود ما يقارب 70 حزباً سياسياً في المنطقة بات يشكل حالة من “التشرذم والتشتت” التي تحولت إلى عبء على الحياة السياسية، بدلاً من أن تكون رافعة لها.
ويضيف حسين قائلاً:
”إن ما نلاحظه في العمل الحزبي اليوم هو هيمنة العقلية الفردية وتغليب المصالح الشخصية والعائلية على المصلحة الوطنية العامة، مما أدى إلى تشتيت القضية الكردية وضياع بوصلتها، لدرجة باتت تدفع بالفرد إلى الشعور بالانكفاء عن إعلان ولائه لأي من هذه التشكيلات.”
ويرى حسين أن المخرج من هذا المأزق يتطلب مراجعة جذرية للمواقف والابتعاد عن “الجمود الفكري”، وصولاً إلى تفكيك هذه الأحزاب وإعادة بنائها تحت مظلة مرجعية وطنية واحدة تختزل المشهد في حزبين أو ثلاثة على أبعد تقدير.

الانتقال إلى العمل الدبلوماسي والمشهد الدولي
من جهتها، تنطلق الكاتبة والمثقفة الكردية، ستير إيو، من حجم التضحيات والأثمان الباهظة التي قدمها الشعب الكردي عبر عقود من الأزمات والمجازر التاريخية، لتؤكد أن المرحلة الراهنة تفرض أدوات نضال جديدة تتناسب مع المستجدات السياسية.وتوضح إيو رؤيتها بالقول:”إذا كان حمل السلاح في مراحل سابقة خياراً اضطرارياً للدفاع عن الوجود، فإن متطلبات اليوم تحتم خوض غمار العمل السياسي على طاولات الحوار والمفاوضات، وإيصال الصوت العادل إلى المجتمع الدولي برؤية سياسية جديدة وهوية متكاملة.”
وشددت إيو على أن تحقيق “الوحدة الوطنية وبناء مرجعية سياسية جامعة في القريب العاجل” ليس مجرد مطلب نخبوي، بل هو حاجة ملحة لفرض احترام ومكانة القضية الكردية على الساحة الدولية ونيل الاعتراف العالمي.

نحو مؤتمر وطني عابر للحدود
وفي سياق متصل، يدعو الناشط والمتابع، أحمد إبراهيم، إلى توسيع أفق المعالجة السياسية وعدم حصرها في النطاق المحلي لـ (روج آفا) أو جغرافيا محددة، نظراً لتشابه وترابط المعاناة والمظالم التي تواجه الكرد في مختلف المناطق.
ويشير إبراهيم إلى أن العقود الماضية أثبتت عجز عشرات الأحزاب عن تحقيق المكتسبات المرجوة للشعب بسبب انكفائها خلف المصالح الضيقة، مضيفاً:
“إننا لا ندعو هنا إلى تشكيل كيان أو تحالف حزبي تقليدي جديد، بل نؤكد على الحاجة الملحة لتأسيس منصة أو مؤتمر وطني شامل يجمع كل المكونات والقوى الكردية في الأجزاء الأربعة، ليتسنى لنا الدفاع عن الحقوق المشروعة أمام القوى الدولية بمسؤولية وطنية أشمل.”
وتجمع هذه الأوساط على أن الإنقاذ الفعلي للقضية الكردية يكمن في “وحدة الشعب” كأولوية قصوى، وليس مجرد عقد تحالفات مرحلية بين أحزاب أرهقت كاهل الشارع، مؤكدين أن البداية الجديدة تتطلب صياغة نهج مغاير يضع تطلعات المواطن العادي فوق أي اعتبار حزبي ضيق.
محمود عيسى / ريبر برو / أميرة ابراهيم
