
منذ اللحظة التي تفتحت فيها عيناه على سحر البيان، رأى نفسه ليس مجرد قارئ، بل ابنًا شرعيًا للقصيدة. لم تكن بدايته معلقات طوال، بل كانت صورًا صغيرة تشبه أحلام الطفولة؛ تفاصيل عابرة، ونبضات بسيطة، كبرت معه يومًا بعد يوم، وسقاها من فيض خياله حتى أصبحت عالمًا شاسعًا من المعاني. لقد آمن بأن الشعر ليس رصًّا للكلمات، بل هو محاكاة للروح وتدوينٌ لذاكرة الأشياء؛ لذا جاءت صوره الشعرية انعكاسًا لرحلته من “النشأة” إلى “التبحر”. فكل صورة يدونها هي لبنة في حلمه الكبير، وكل بيت يبنيه هو جسرٌ يربط بين طفولة الحلم ونضج التجربة، ليبحر بنا في محيط من المشاعر التي لا يحدها شاطئ.
يُنظر للشعر غالباً على أنه عتبة للتأمل العميق وبوابة للمعرفة. كيف تشكلت ملامح خطواتك الأولى نحو هذا العالم؟ وكيف تحولت “نسائم” الكتابة العابرة إلى ملاذٍ أبدي لا فكاك منه؟
لم أدخل إلى الشعر كمن يدخل عالماً غريباً، بل كمن يعود إلى مكانٍ يعرفه منذ زمن بعيد.كانت الخطوة الأولى همساً خفيفاً في الروح، نسمةً تمرّ بين الكلمات ثم تختفي. كنت أدوّن صوراً صغيرة عن أشياء عادية: أمٍّ تنتظر، طريقٍ ترابي، وطفولةٍ تتكوّن بين ذاكرة القرية وصوت اللغة.مع مرور الوقت اكتشفت أن تلك “النسائم” لم تكن عابرة كما ظننت. كل نصٍ صغير كان يقودني إلى نصٍ آخر، وكل صورة كانت تفتح نافذة أوسع.حتى وجدت نفسي داخل الشعر لا على عتبته.ومنذ ذلك الحين لم يعد الشعر خياراً، بل قدرٌ يشبه التنفس.
الشعر صدى للواقع بقدر ما هو جنوح للخيال. اليوم، وفي ظل الملاحم البطولية التي يسطرها الشعب الكوردي في “روج آفا”، كيف تفاعل نبضك الشعري مع هذا الواقع؟ وكيف وثّقتم تلك الانتصارات شعرياً؟
الشعر حين يلامس الواقع يتحول إلى ذاكرة.ما جرى في روج آفا لم يكن مجرد حدث سياسي أو عسكري، بل تجربة إنسانية كثيفة مليئة بالبطولة والألم معاً. في مثل هذه اللحظات لا يكتب الشاعر من الخارج، بل من داخل الجرح .القصيدة عندي كانت تتشكل من صور المقاتلين، من الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن، من القرى التي قاومت الفناء.كنت أشعر أن الكلمات تحاول أن تحفظ ما قد يضيع في ضجيج الأخبار.فالشعر هنا يصبح وثيقة عاطفية للتاريخ.
نرى شعراء ينسجون قصائدهم بألسنة متعددة. هل ترى في ذلك دليلاً على ضيق مساحة اللغة الواحدة عن استيعاب الروح الشعرية، أم أن تعدد اللغات يمنح النص أبعاداً جمالية مغايرة؟
اللغة وعاءٌ للروح، لكنها ليست حدودها.حين يكتب شاعر بأكثر من لغة فهو لا يهرب من ضيق لغة واحدة، بل يحاول أن يرى العالم من أكثر من نافذة.كل لغة تحمل موسيقاها وصورها الخاصة، ولهذا فإن تعدد اللغات قد يمنح النص طبقات جمالية مختلفة.لكن في النهاية تبقى الروح الشعرية هي الأصل؛ فإذا كانت القصيدة صادقة فإنها تستطيع أن تعبر أي لغة.
يميل النقد الأدبي غالباً إلى قولبة النصوص في خانات محددة (نثر، تفعيلة، حر). كيف تتلقى هذه التصنيفات؟ وهل يزعجك أن يتم تأطير تجربتك الشعرية الحرة ضمن مسمى نقدي صارم؟
التصنيفات النقدية قد تكون مفيدة لفهم الظواهر الأدبية، لكنها لا تستطيع أن تحيط بتجربة الشعر بالكامل.القصيدة في جوهرها كائن حي يتحرك ويبحث عن شكله الخاص.لهذا لا أرى في هذه التسميات مشكلة كبيرة، لكنها بالنسبة لي مجرد إشارات تفسيرية وليست حدوداً ملزمة.الشاعر يكتب أولاً، ثم يأتي النقد لاحقاً ليحاول قراءة ما حدث.
النقد هو المرآة التي تكشف جماليات النص وتُقوّم اعوجاجه. كيف تُقيم واقع النقد الشعري الكوردي اليوم؟ وهل تعتقد أنه لعب الدور المأمول في إنضاج التجربة الشعرية والارتقاء بعوالم الشاعر؟
النقد الأدبي الكوردي ما زال في طور التشكّل. هناك محاولات مهمة وجادة، لكنها تحتاج إلى مساحة أوسع من البحث والحوار الثقافي.الشعر الكوردي غني بالتجارب والتنوع، والنقد يمكن أن يلعب دوراً أساسياً في كشف هذه الثروة.حين يكون النقد عميقاً ومنصفاً، فإنه لا يقيّد الشاعر بل يساعده على رؤية تجربته من زاوية جديدة
قصائدك ليست مجرد كلمات، بل نوافذ تُشرع على عوالم مجهولة. ممّ تتشكل جغرافية هذه العوالم؟ وكيف تبني الجسور النفسية والشعورية لتقنع القارئ بالانغماس فيها وتصديق وجودها؟
العوالم التي تظهر في قصائدي تتكوّن من أشياء بسيطة: ذاكرة الطفولة، رائحة القرى، وجوه الأمهات، وصوت التاريخ الذي يمر في حياة الناس العاديين.أحاول بناء هذه العوالم عبر التفاصيل الصغيرة، لأن القارئ يصدق التفاصيل قبل الأفكار الكبرى.وحين يرى صورة حقيقية أو إحساساً صادقاً، يبدأ بالدخول إلى ذلك العالم وكأنه جزء منه.
الشعر الكوردي ولد من رحم المقاومة والثورة واليوم ينبض بأنفسهما أكثر من ذي قبل .ما نستطيع القول أن اليوم
الشعر الكوردي وُلد فعلاً من رحم المقاومة.التاريخ الكوردي مليء بالتحولات والصراعات، ولهذا أصبحت القصيدة أحياناً وسيلة للحفاظ على الهوية والذاكرة.اليوم ما زال هذا النفس حاضراً، لكنه لم يعد فقط صوت الثورة، بل أيضاً صوت الحياة والإنسان.كأن القصيدة الكوردية تقول إن شعباً يقاوم يستطيع أيضاً أن يغني للحب والجمال.
منذ وصول جولاتي إلى سدة الحكم في سوريا أطلقت مقولة وهي (جولاتي ارهابي )عنوان كل منشور على صفحتك زرقاء وحتى تعليق على كل منشور .مالذي دفعك إلى إطلاقها ! ما النظرة المستقبليه إلى هذا الحكم ذو خلفية ضبابية اتجاه كل مكونات السورية !
حين أطلقت تلك العبارة لم يكن الهدف مجرد شعارٍ متكرر، بل كان موقفاً أخلاقياً قبل أن يكون موقفاً سياسياً. أنا أؤمن أن الشعوب التي تنسى التاريخ تُعرّض نفسها لتكراره، لذلك كنت أرى أن من واجبي ككاتب وشاعر ألا أتعامل مع الأحداث بذاكرة قصيرة. كنت أرى أيضاً أن من الخطأ أن يتغافل الناس عن تاريخ شخص عُيّن في موقع الحكم، وأن يتم تجاهل ما ارتبط باسمه من أحداث أو اتهامات أو سجلٍ حافل بالعنف والإرهاب. السلطة لا يجب أن تمحو الماضي، وتولي المناصب لا يعني تبرئة التاريخ أو إسقاط الأسئلة.تكرار تلك العبارة كان تذكيراً دائماً بأن ذاكرة الشعوب يجب أن تبقى حيّة، وأن المستقبل لا يمكن أن يُبنى بطمس الماضي أو تجاهله.
روج افا أنفاسه بين الوجود أو اللاوجود ماذا تود إيصالها لهذا الجزء الكوردستاني الذي رفع شعار المقاومة حتى النصر ؟
روج آفا تعيش لحظة حساسة بين الوجود واللاوجود، بين الخوف والأمل.لكن ما يمنح هذه التجربة قوتها هو إصرار الناس على البقاء رغم كل الظروف.رسالتي لهذا الجزء من كردستان أن الذاكرة التي صُنعت بالتضحيات لا يجب أن تضيع.
المقاومة ليست فقط في ساحات القتال، بل أيضاً في بناء الحياة، في الثقافة، في اللغة، وفي حماية الإنسان.حين يتحول الأمل إلى فعل يومي، يصبح الوجود أقوى من كل احتمالات الغياب.
حاورته أميرة إبراهيم