
جوان خورشيد اليوسف : كاتب صحفي وناشط في مجال حقوق الانسان من مواليد تل شعير – قامشلي ١٩٦٦ ، معتقل سياسي بين عامي ٨٧-٩٤ ، عضو مؤسس ل اللجنة الكردية لحقوق الإنسان – راصد التي تأسست عام ٢٠٠٦ ، مشارك في الحراك السوري ٢٠١١ ( ناطق باسم ائتلاف شباب سوا ) ، كاتب في عدد من الصحف العربية
”في ظل المخاطر الجسيمة والضغوط النفسية التي يفرضها العمل في ميدان حقوق الإنسان.
ما هو الحافز الذي دفعكم لاختيار هذا المسار الوعر؟ وما هي الرسالة التي تسعون لترسيخها في وعي المجتمع الدولي والمحلي؟”
العمل في ميدان حقوق الإنسان لم يكن خياراً مريحاً أو مهنياً بحتاً، بل جاء استجابةً مباشرة لتجربة عشتها شخصيا في معتقلات النظام السابق ، وهي تجربة تكاد تكون جماعية ، عانى منها المجتمع من القمع، والحرمان، وانتهاك الكرامة الإنسانية.
في الواقع كان الحافز الأساسي هو القناعة بأن الصمت شراكة غير مباشرة في الجريمة، وأن توثيق الحقيقة والدفاع عن الضحايا هو الحد الأدنى من المسؤولية الأخلاقية تجاه مجتمع عانى طويلاً من الإفلات من العقاب.
أما الرسالة التي نسعى لترسيخها، فهي أن حقوق الإنسان ليست ترفاً سياسياً ولا أداة ضغط انتقائية، بل التزام قانوني وأخلاقي غير قابل للتجزئة، وأن كرامة الإنسان – أياً كان انتماؤه – يجب أن تكون في صلب أي مسار سياسي أو دولي.
”ما هي أبرز التحديات (اجتماعية، السياسية، والأمنية) التي تقف أمام تعميم ثقافة حقوق الإنسان في الداخل السوري؟
وكيف تقيمون الدور الذي تلعبه المنظمات الحقوقية السورية حالياً في ظل تشتت الجغرافيا وتعدد القوى المسيطرة؟”
-أهم التحديات تتمثل في
*جتماعياً: إرث الخوف، وتطبيع العنف، وضعف الوعي الحقوقي نتيجة عقود من الاستبداد.
*سياسياً: غياب دولة القانون، وتوظيف الخطاب الحقوقي كأداة صراع لا كمنظومة قيم.
*أمنياً: تعدد القوى وخاصة خلال الأعوام الأخيرة ، وانعدام الحماية للمدافعين عن حقوق الإنسان.
أما المنظمات الحقوقية السورية، فرغم ضعف الإمكانيات والتشتت الجغرافي، فقد لعبت دوراً محورياً في حفظ الذاكرة، والتوثيق، وبناء أرشيف قانوني للانتهاكات. إلا أن التحدي الأكبر يبقى في الانتقال من التوثيق إلى المساءلة والتأثير السياسي الفعلي.
”بعيداً عن الأزمات الطارئة، ما هي الجذور البنيوية (في القوانين والمؤسسات) التي تمنع ممارسة حقوق الإنسان بشكل كامل في سوريا؟
الجذور البنيوية لانتهاك حقوق الإنسان في سوريا ليست فقط في الممارسات، بل في البنية القانونية والمؤسساتية نفسها، وأبرزها:قوانين استثنائية تشرعن القمع.
غياب استقلال القضاء.
تداخل الأجهزة الأمنية مع مؤسسات الدولة.
إنكار التعددية القومية والثقافية في الدستور.
هذه البنية حوّلت الدولة من حامية للحقوق إلى أداة لانتهاكها.
”كيف تصفون ظاهرة ‘التوثيق الشعبي’ عبر منصات التواصل الاجتماعي؟
ظاهرة التوثيق الشعبي عبر وسائل التواصل الاجتماعي هو سلاح ذو حدين.
من جهة، ساهم في كسر احتكار الرواية الرسمية، وكشف انتهاكات كان من المستحيل الوصول إليها.
ومن جهة أخرى، يعاني من مشكلات تتعلق بالدقة، والسياق، وسلامة المصادر.
التحدي اليوم هو تحويل هذا التوثيق الخام إلى أدلة قانونية عبر منهجيات مهنية تحترم معايير التحقيق الحقوقي
”لو قُدّر لنا مراجعة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من منظور المعاناة السورية،ما هي الإضافات أو التعديلات التي تضمن حماية الشعوب التي تعاني من النزاعات الطويلة؟ وبالأخص الشعب الكردي، لضمان الاعتراف بهويته وحقوقه الثقافية والسياسية؟”
فعلا صار ضروري العمل على مراجعة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عموما ، لكن إذا خصصنا الأمر من منظور المعاناة السورية (والكردية)
من منظور المعاناة السورية، فإن هذا الاعلان بل منظومة حقوق الإنسان تحتاج إلى مخالب وأقصد هنا ادوات تنفيذية تنجز :
تعزيز حماية الشعوب في النزاعات طويلة الأمد.
ضمان حقوق المكونات القومية غير المعترف بها.
إدراج الحق في الهوية، واللغة، والثقافة كحقوق غير قابلة للتأجيل وتجاوز مسألة القانون الدولي الذي يعتبر هذه النزاعات مسائل داخلية .
وبالنسبة للشعب الكردي، فإن غياب الاعتراف الدستوري بهويته وحقوقه الثقافية والسياسية كان مدخلاً لانتهاكات ممنهجة، من هنا هناك ضرورة يستدعي ضمانات دولية أوضح لحماية حقوق الشعوب الأصلية داخل الدول التي تشكلت في غالبيتها ضد إرادة الشعوب وخاصة في الشرق الاوسط.
”ما هي النصيحة التي تقدمونها للباحثين والنشطاء الشباب الذين يخطون خطواتهم الأولى في هذا المجال ‘الشائك’؟
ربما النصيحة الأساسية هي:عدم بين الإنسانية والمهنية.التزام بالدقة، لأن الخطأ في هذا المجال يُستخدم لتشويه الحقيقة.الحماية النفسية لعدم الانجرار وراء العواطف وتأثراتها على العدالة ، فالاستنزاف العاطفي خطر حقيقي.ملاحظة هامة أن التغيير في مجال حقوق الإنسان تراكمي وبطيء، لكنه عميق الأثر لذلك نحتاج إلى الصبر والمثابرة .
”وسط الركام والانتهاكات . أين تجدون ‘بذرة الأمل’ التي تشير إلى إمكانية بناء مستقبل يحترم كرامة الإنسان في سوريا؟وما هي الركيزة التي تبعث على التفاؤل في أن التغيير الحقوقي قادم لا محالة؟
– بذرة الأمل تكمن في:
إصرار الضحايا على سرد قصصهم.
جيل جديد يرفض الصمت ويطالب بالعدالة.
تراكم الأرشيف الحقوقي الذي يجعل النسيان مستحيلاً.
أما الركيزة التي تبعث على التفاؤل، فهي أن العدالة قد تتأخر لكنها لا تسقط بالتقادم، وأن أي مستقبل مستقر لسوريا لا يمكن أن يُبنى دون الاعتراف بالحقوق الفردية والجماعية ، والمساءلة، والعدالة التي تعيد الثقة بالكرامة الإنسانية.
حاورته / اميرة إبراهيم