بقلم الكاتب: حسن محمد علي
في رحيل القائد المؤسس، الذي أدرك أن الأمن لا يُبنى بالقوة وحدها، بل بالثقة والشراكة وحماية التنوعبرحيل الشهيد جوان إبراهيم، القائد العام لقوات الأسايش وأحد أبرز مؤسسي مؤسسة الأمن الداخلي في روجافا، نفقد شخصية قيادية ارتبط اسمها بمرحلة تأسيسية بالغة الأهمية في تاريخ المنطقة، مرحلة لم تكن فيها مهمة بناء المؤسسات أمراً سهلاً أو مضمون النتائج، بل كانت مغامرة تاريخية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، في ظل ظروف سياسية وأمنية واجتماعية معقدة، وإمكانات محدودة، وغياب أي تجربة مؤسساتية سابقة يمكن الاستناد إليها.كان جوان إبراهيم من القيادات الشابة التي برزت في البدايات الأولى لتجربة روجافا. وعلى الرغم من ريعان شبابه آنذاك، امتلك قدرة على إدراك طبيعة المهمة وحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه. فقد كان تأسيس مؤسسة للأمن الداخلي، وللمرة الأولى في تلك الظروف، يتطلب أكثر من تشكيل قوة أمنية أو تنظيم مجموعات مسلحة؛ كان يتطلب بناء ثقافة مؤسساتية جديدة، وتأسيس علاقة مختلفة بين المجتمع والأمن، وإقناع الناس بأن هذه المؤسسة وجدت لحمايتهم وخدمتهم، لا لممارسة السلطة عليهم.ولم تكن هذه المهمة سهلة، لا من الناحية التنظيمية ولا الاجتماعية. فبناء مؤسسة أمنية لدى مجتمع لم يعتد على وجود مثل هذه المؤسسة المستقلة في حياته، وفي ظل إرث طويل من غياب الثقة بالمؤسسات الأمنية، كان يحتاج إلى صبر وحكمة وقدرة على التعامل مع حساسيات المجتمع ومخاوفه وتنوعه.هنا تكمن إحدى أبرز ميزات جوان إبراهيم القيادية؛ إذ لم يقتصر دوره على تأسيس الهيكل التنظيمي للأسايش وتطوير قدراتها، بل امتد إلى بناء علاقات اجتماعية وسياسية مع مختلف مكونات المنطقة. فقد أدرك مبكراً أن الأمن الداخلي لا يمكن أن يكون مؤسسة تخص مكوناً بعينه، ولا يمكن أن يكتسب شرعيته المجتمعية من خلال انتماء واحد، وإنما من خلال قدرته على حماية الجميع، والتعامل مع المواطنين على أساس المساواة والاحترام والشراكة.ولهذا استطاع أن يفتح المجال أمام مشاركة العرب والسريان والآشوريين إلى جانب الكرد في مؤسسة الأسايش، وأن يجعل منها تجربة تتجاوز حدود الانتماء القومي الضيق. ولم يكن ذلك مجرد توسع في التشكيلة البشرية للمؤسسة، بل كان تعبيراً عن فهم أعمق لطبيعة المنطقة، وعن إدراك أن استقرارها لا يتحقق إلا بتعاون مكوناتها وشعورها المشترك بالمسؤولية عن أمنها ومستقبلها.لقد كان جوان إبراهيم، في هذا الجانب، أكثر من قائد أمني؛ كان جسراً بين المكونات، يعرف كيف يبني العلاقات، وكيف يحوّل الاختلافات إلى مساحة للتفاهم والتعاون. وهذه صفة لا تقل أهمية عن الكفاءة الأمنية والتنظيمية، بل ربما كانت من أهم مقومات نجاح تجربته في مرحلة التأسيس.من حماية المجتمع إلى بناء الدولةما أسهم الشهيد جوان إبراهيم في بنائه قبل اكثر من عقد من الزمن لم يعد اليوم مجرد تجربة أمنية محلية نشأت في ظروف استثنائية، بل أصبح جزءاً من مسار تاريخي جديد تمر به المنطقة وسوريا عموماً.فمؤسسة الأمن الداخلي التي تأسست في ظروف صعبة، وكان هدفها الأول حماية المجتمع والحفاظ على الأمن والاستقرار، تقف اليوم أمام مرحلة جديدة من تطورها، تتمثل في الانتقال إلى موقعها ضمن مؤسسات الدولة السورية، في إطار مسار الاندماج الديمقراطي وبناء مؤسسات وطنية قادرة على حماية جميع السوريين.وهنا تبرز أهمية التحول في طبيعة المهمة: بالأمس كان التحدي هو تأسيس مؤسسة قادرة على حماية المجتمع في ظل غياب مؤسسات الدولة الفاعلة في المنطقة؛ أما اليوم، فالتحدي هو ضمان أن يكون لهذه المؤسسة مكانها ودورها ضمن البنية الأمنية للدولة، بما يحفظ الخبرة التي راكمتها، ويصون خصوصية المنطقة، ويضمن حقوق مواطنيها وأمنهم، ويعزز الثقة بين الدولة ومجتمعاتها.إن ما بُني بالأمس لحماية المجتمع، ينبغي أن يكون اليوم جزءاً من بناء وطن. وما تحقق من خبرة في إدارة الأمن المحلي والتعامل مع التنوع المجتمعي يجب ألا يُنظر إليه باعتباره إرثاً خاصاً بمرحلة سابقة، بل رصيداً وطنياً يمكن أن يسهم في بناء مؤسسة أمنية حديثة، تقوم على المهنية والمواطنة وسيادة القانون، وتحمي المجتمع بكل مكوناته.ولا تكتمل هذه العملية بمجرد إعادة ترتيب الهياكل الأمنية أو نقل الصلاحيات، وإنما تحتاج إلى ضمانات دستورية وقانونية واضحة، وإلى الاعتراف بخصوصية المناطق وتنوعها، وإلى بناء مؤسسات يشعر فيها المواطن بأنه محمي ومتساوٍ في الحقوق والواجبات، بعيداً عن التمييز والإقصاء.من هنا، فإن الحفاظ على المكتسبات التي أسهم جوان إبراهيم في تأسيسها لا يعني التمسك بأشكال تنظيمية سابقة، بل يعني نقل القيم والخبرات التي بُنيت عليها إلى مرحلة جديدة: أمن يحمي المواطنين، ومؤسسات تخضع للقانون، وشراكة حقيقية بين مكونات المجتمع، ودولة ترى في التنوع مصدر قوة لا سبباً للانقسام.القائد الذي أدرك أن الأمن يبدأ من المجتمعإن القادة المؤسسين لا تُقاس مكانتهم فقط بما تركوه من مواقع أو مؤسسات، بل بما أسسوه من مفاهيم، وبقدرتهم على قراءة التحولات والاستجابة لمتطلبات مراحلهم التاريخية.وكان جوان إبراهيم من أولئك الذين أدركوا أن مهمة الأمن الداخلي ليست مجرد مواجهة المخاطر والتهديدات، وإنما توفير بيئة آمنة يستطيع فيها المجتمع أن يعيش ويعمل ويحافظ على علاقاته وتنوعه، وأن يشعر كل مواطن، بصرف النظر عن قوميته أو لغته أو انتمائه، بأن هذه المؤسسة موجودة لحمايته.لقد رحل جوان إبراهيم في لحظة تاريخية تنتقل فيها المنطقة من مرحلة تأسيس مؤسساتها وحماية وجودها إلى مرحلة تثبيت موقعها في الدولة السورية الجديدة. وربما تكمن المفارقة التاريخية في أن المؤسسة التي عمل على بنائها في ظروف بالغة الصعوبة، أصبحت اليوم أمام مسؤولية جديدة تتصل بمستقبل الدولة وبناء مؤسساتها الأمنية على أسس وطنية ودستورية.إن استشهاده خسارة كبيرة لمن عرفوه وعملوا معه، وللمؤسسة التي كان أحد أعمدتها التأسيسية، وللمنطقة التي أسهم في بناء تجربتها الأمنية. لكن قيمة ما تركه لا تكمن في استحضار الماضي وحده، بل في القدرة على استلهام الدروس من تجربته ومواصلة البناء على ما تحقق.فالرجال المؤسسون يرحلون، لكن المؤسسات التي بنوها، والقيم التي زرعوها، والمسارات التي فتحوها، ينبغي أن تستمر وتتطور.الرحمة والخلود للشهيد جوان إبراهيم، ولكل من ضحوا من أجل أمن المجتمع وكرامة الإنسان وحياة أكثر استقراراً وعدالة.والوفاء الحقيقي له ولرفاقه يكون بالحفاظ على ما تحقق، وتطويره، ونقله من تجربة حماية المجتمع إلى مشروع بناء دولة ديمقراطية تعددية، موحدة، تصون حقوق جميع أبنائها وتضمن أمنهم وكرامتهم ومستقبلهم.
