بقلم الشاعر؛ علي عمر
حين صار تراب كوردستان ذاكرةً للروح
لم أكن أسهرُ لأن النومَ غاب
بل لأن شيئًا أقدمَ من الليل
كان يفتحُ عينيه في دمي
جذرٌ لا يُرى
كلما حاولَ المنفى اقتلاعي
غاص بي أعمقَ
في جهةٍ لا تعرفُ الضياع
حاولوا أن يأخذوا الأرضَ من يدي
ولم يفهموا
أن الأرضَ إذا عبرتْ إلى الروح
تفقدُ شكلَ التراب
وتصيرُ ذاكرةً
لا تصلُ إليها يد
أثقلوا فمي بالجوع
وأرادوا للسكوتِ أن يكونَ لغتي
لكن بعضَ الكلمات
لا تخرجُ من الفم
إنها تنبتُ في العظم
وحين تنبتُ هناك
يصبحُ اقتلاعُها
اقتلاعًا للإنسان من نفسه
أنا لستُ ابنَ مكانٍ
أنا أثرُ مكانٍ
ظلَّ حيًّا بعد أن غاب
في دمي جهةٌ
كلما حاولَ التاريخُ محوَها
ازدادتْ وضوحًا
وفي داخلي جبالٌ
لا تقفُ في الأرض
بل تحملُ الأرضَ
من تحتِ أنقاضِ النسيان
لذلك
حين يسقطُ الحجرُ على صدري
لا أسمّيه خرابًا
أتركه قليلًا في عروقي
حتى يتذكّرَ كيف يكونَ مطرًا
وحين ينزفُ الجذر
لا أدفنه
أتركُ دمهُ يصعدُ إلى الربيع
لن أرحلَ عن ترابي
فالمنفى ليس مسافةً
بل محاولةُ أن يقنعَ الإنسانُ نفسه
أنه يستطيعُ أن يعيشَ
من دون الجزء الذي كانه
وحين أضعُ روحي في تلك الأرض
لا أعودُ إليها
فأنا لم أغادرها أصلًا
هناك فقط
أفهمُ أخيرًا
أن الوطنَ ليس أرضًا نسكنها
بل شيءٌ يسكنُنا
حتى بعد أن يفنى المكان
وأن الترابَ الذي ظننّاه تحت أقدامنا
كان، طوال الوقت
ذاكرتَنا وهي تتنفس
وكانت كوردستان—
لا مكانًا أعودُ إليه
بل الجزءَ الأقدمَ من روحي
الذي نجا منّي
