يقلم الكاتب : خبات شاكر
لم تعد الحروب الحديثة تُخاض بالدبابات والطائرات وحدها، بل أصبحت تُدار قبل كل شيء داخل العقول. فالحرب الخاصة، بما تمتلكه من أدوات إعلامية ونفسية وسياسية، تسعى إلى إعادة تشكيل وعي الشعوب، وتحويل الضحية إلى خصمٍ لنفسها، وإقناعها بأن مصدر أزماتها يكمن في داخلها لا في السياسات التي تستهدف وجودها وحقوقها.
على امتداد عقود، استثمرت الدولة التركية، وفق رؤية أمنية وسياسية، في بناء منظومة إعلامية ونفسية واسعة تستهدف المجتمع الكوردي. ولم تقتصر هذه المنظومة على الخطاب الرسمي، بل اعتمدت كذلك على شبكات من المؤثرين والفاعلين السياسيين والإعلاميين الذين تبنوا، عن قصد أو عن غير قصد، سردياتٍ تُعمّق الانقسام الداخلي وتُضعف الثقة بالمشروع الوطني الكوردي.
لا توجد حركة سياسية أو ثورية بلا أخطاء. فالعمل السياسي، وخاصة في ظروف الحرب والحصار، لا يمكن أن يكون معصوماً من الهفوات. غير أن الفارق كبير بين النقد المسؤول الذي يسعى إلى التصحيح، وبين تحويل كل خطأ إلى عنوان دائم، وتضخيمه حتى يطغى على كل الإنجازات والتضحيات. فحين تصبح الأخطاء وحدها مادة الإعلام، وتُغيَّب النجاحات والتضحيات، فإننا نكون أمام حرب نفسية أكثر مما نكون أمام نقاش سياسي.
ومن أخطر أدوات الحرب الخاصة توظيف الخلافات الشخصية والثارات السياسية. إذ يجري استثمار خصومات بعض الشخصيات أو القوى مع حزب العمال الكردستاني أو مع كوادره وقياداته، وتحويلها إلى منصة لمهاجمة مجمل القضية الكوردية أو تجربة الإدارة الذاتية في روجافا. وعندما يصبح الخصم السياسي مستعداً لترديد خطاب خصوم شعبه، فإن المستفيد الأول من ذلك ليس الشعب الكوردي، بل القوى التي تسعى إلى إضعافه.
ومنذ اندلاع ثورة روجافا، شهدنا اصطفافات سياسية مختلفة. فبينما اختارت قوى الدفاع عن التجربة والعمل على تطويرها، فضّلت أطراف أخرى معارضتها بصورة دائمة، ووصل الأمر ببعضها إلى تجاوز مخرجات الحوارات الكوردية، ومنها مؤتمر قامشلو، والانخراط في مسارات سياسية مع دمشق سعياً إلى مكاسب محدودة، كالحصول على مقاعد في مجلس الشعب السوري. ومن حق أي طرف أن يختار مساره السياسي، لكن من حق الشارع الكوردي أيضاً أن يناقش ما إذا كانت تلك الخيارات تخدم المصلحة الوطنية أم تضعف الموقف الكوردي في مرحلة تاريخية دقيقة.
لقد عرف التاريخ الكوردي صوراً كثيرة من الانقسام الداخلي، كما عرف محاولات خارجية لاستثمار هذه الانقسامات. لكن التجربة أثبتت أيضاً أن الشعوب التي تتمسك بحقوقها وتتعلم من أخطائها تمتلك القدرة على تجاوز المحن، وأن المشاريع التي تستند إلى إرادة المجتمع لا تسقط بسهولة مهما اشتدت حملات التشويه.
إن القضية الكوردية أكبر من الأحزاب، وأبقى من الخلافات الشخصية، وأعمق من الحملات الإعلامية العابرة. وما يحتاجه الكرد اليوم ليس تقديس أي تجربة، ولا شيطنة أي طرف، بل ترسيخ ثقافة النقد المسؤول، وحماية وحدة الصف، والتمييز بين الاختلاف السياسي المشروع وبين الخطابات التي تخدم، بقصد أو بغير قصد، مصالح القوى التي لا تزال تنكر الحقوق القومية للشعب الكوردي.
ويبقى الدرس الذي يكرره التاريخ واضحاً: إن الشعوب التي تدافع عن وجودها وكرامتها قد تتعثر، لكنها لا تُهزم ما دامت قادرة على مراجعة ذاتها والحفاظ على وحدتها. أما الذين يربطون مستقبلهم بمصالح القوى الخارجية، فإن مصيرهم يبقى رهناً بتغير تلك المصالح، لأن الدول لا تعرف الأصدقاء الدائمين، بل تعرف المصالح الدائمة.
