بقلم : دكتور محمود عباس
كيف كانت ستبدو إيران اليوم لو لم تحكمها ولاية الفقيه؟
النفط: الستة ملايين برميل التي أصبحت ذكرى
لعل النفط يقدم أكثر الأمثلة إثارة.
إيران لم تكن تحلم بإنتاج ستة ملايين برميل يوميًا؛ لقد فعلتها بالفعل. فقد تجاوز إنتاجها ستة ملايين برميل يوميًا عام 1974، وبلغ متوسطه أكثر من خمسة ملايين يوميًا بين 1972 و1978. وبعد الثورة لم تعد إيران إلى تلك المستويات بسبب خليط من الحرب، والعقوبات، ونقص الاستثمار، وتقادم الحقول. وهي مع ذلك لا تزال تملك ثالث أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم.
لذلك فإن تقدير إنتاج يتراوح اليوم بين 5 و6 ملايين برميل يوميًا في إيران مستقرة ومنفتحة ليس خيالًا اقتصاديًا؛ إنه مستوى سبق أن حققته قبل نصف قرن، قبل التكنولوجيا الحديثة المستخدمة اليوم في الحقول العميقة والاستخراج المعزز.
ومع نمو الاستهلاك الداخلي، كان من الممكن أن تصدر إيران ثلاثة إلى أربعة ملايين برميل يوميًا، لكن الأهم أنها لم تكن مضطرة إلى تصدير القسم الأكبر منها خامًا. كان يمكن لعبدان وبندر عباس والخليج أن يتحول إلى حزام هائل من المصافي والبتروكيماويات والصناعات الكيميائية والبلاستيكية والأسمدة، فتبيع إيران القيمة المضافة بدل البرميل الخام.
وهكذا تصبح قيمة النفط الحقيقية ليست في عدد البراميل فقط، بل في آلاف المصانع والشركات والوظائف التي كان يمكن أن تنشأ حول كل برميل.
والغاز؟ هنا ربما تكون الخسارة أكبر من النفط
إيران تملك ثاني أكبر احتياطي للغاز الطبيعي في العالم. والأكثر إثارة أنها تشترك في البنية الجيولوجية العملاقة نفسها تقريبًا التي صنعت ثروة قطر، حقل جنوب فارس الإيراني هو امتداد لحقل الشمال القطري.
ماذا فعلت قطر؟
بنت صناعة LNG عالمية بطاقة 77 مليون طن سنويًا، وتخطط للوصول إلى 142 مليون طن سنويًا بحلول 2030.
أما إيران، صاحبة الاحتياطي الأكبر، فلم تصبح قوة عالمية في الغاز المسال.
وهنا يمكن أن نسمح لأنفسنا باستنتاج جريء لكنه معقول، لو بدأت إيران منذ الثمانينيات والتسعينيات باستقبال شركات الطاقة والتكنولوجيا ورأس المال العالمي، لكان من الممكن اليوم أن تمتلك طاقة LNG ربما في حدود 80–140 مليون طن سنويًا على الأقل، إلى جانب خطوط أنابيب باتجاه تركيا وأوروبا وباكستان والهند وآسيا الوسطى.
أي إن السؤال لم يكن، هل لدى إيران غاز؟
بل، لماذا أصبح الآخرون أثرياء عالميًا من الغاز الذي تملك إيران منه أكثر؟
واليوم وصلت المفارقة إلى حد أن الحرب خلال 2026 أدت إلى فقدان نحو 230 مليون متر مكعب يوميًا من إنتاج الغاز من قدرة كانت تقارب 650 مليون متر مكعب يوميًا قبل الضربات، بينما تعاني البلاد أصلًا من عجز في الكهرباء والطاقة.
نصف اقتصاد كان يمكن أن يستيقظ
ثم نأتي إلى المورد الأعظم الذي لا يوجد تحت الأرض، الإنسان.
إيران تملك قاعدة واسعة من النساء المتعلمات والجامعيات، لكن نسبة مشاركة النساء إلى الرجال في سوق العمل لم تبلغ في 2025 سوى نحو 20.8% وفق تقديرات منظمة العمل الدولية المنشورة عبر البنك الدولي. وفي اقتصاد متقدم، يمكن لهذه النسبة أن تقترب من 70 أو 80% أو أكثر.
تخيلوا ماذا يعني ذلك اقتصاديًا.
ليس بضعة آلاف من الوظائف، وإنما ملايين النساء الإضافيات في الطب والهندسة والبرمجة والإدارة والأبحاث والمصارف والصناعة والسياحة وريادة الأعمال.
أي إن النظام لم يعطل نصف المجتمع اجتماعيًا فقط؛ بل أبقى جزءًا هائلًا من رأس المال البشري خارج أقصى طاقته الإنتاجية.
وفي إيران البديلة التي أتحدث عنها، كان من المحتمل أن تصبح المرأة الإيرانية أحد أهم أسباب انتقال الاقتصاد من النفط إلى المعرفة، لا موضوعًا لصراع الدولة حول الحجاب والسلوك الشخصي.
ولم تكن القوة البشرية المهدورة محصورة في النساء وحدهن؛ فالتنوع القومي في إيران كان يمكن بدوره أن يصبح واحدًا من أهم مصادر قوتها الاقتصادية والحضارية. فلو اعترفت الدولة بحقوق الشعب الكوردي والبلوش والعرب والأذريين وسواهم، ومنحتهم المجال لتطوير لغاتهم وثقافاتهم وإدارة شؤون مناطقهم والمشاركة المتكافئة في الحياة السياسية والاقتصادية، لتحولت هذه المجتمعات إلى قوة إضافية في بناء الدولة وتنمية أطرافها.
فالمناطق الكوردية، مثلًا، تملك الموارد البشرية والطبيعية والموقع الجغرافي الذي كان يمكن أن يجعلها جسورًا للتجارة مع العراق وتركيا، ومراكز للسياحة والزراعة والصناعة والثقافة. وما ينطبق على كوردستان ينطبق، بدرجات مختلفة، على مناطق البلوش وعرب الأهواز وغيرها.
فالدولة لا تضعف حين تعترف بتنوع شعوبها؛ بل تكسب ملايين المواطنين بوصفهم شركاء في الإنتاج والاستثمار والاستقرار. أما حين تواجه المطالب الثقافية والسياسية بالأمن والإقصاء، فإنها تنفق مواردها على إدارة الأزمات التي صنعتها بنفسها، بدل استثمار تلك الموارد والطاقات في التنمية.
