تنويه قانوني:
المواد المصورة والشهادات الواردة في هذا التحقيق تم التقاطها وتوثيقها بأسلوب “التصوير المستتر” (الكاميرا الخفية) نزولاً عند مقتضيات المصلحة العامة وحماية صحة المستهلك، بعد تعذر الحصول على الحقائق بالطرق التقليدية. تم تظليل الهويات الشخصية منعاً للتشهير الفردي، ولتسليط الضوء على الخلل الرقابي والخدمي كظاهرة عامة.
بين أزقة يملؤها الإهمال وتطفو عليها المياه الآسنة، تفترش النساء الأرض في زوايا سوق الهال المركزي بمدينة الحسكة لكسب لقمة عيش مغموسة بالمرارة والغبار. للوهلة الأولى، يبدو المشهد كأي سوق شعبي مزدحم، لكن نظرة واحدة فاحصة لعدسة الاستقصاء تكشف حجم الكارثة البيئية والصحية التي تحدق ببطون آلاف العائلات يومياً.
طنين الذباب المتراكم فوق أكوام الخضار والفواكه يشكل الموسيقى التصويرية لهذا المكان، حيث غابت أدنى معايير النظافة العامة، وراحت تُعرض لحوم وأغذية مجهولة المصدر وغير صالحة للاستهلاك البشري أمام أعين الجميع دون حسيب أو رقيب.
في جولة لرصد آراء المتواجدين في السوق، وثقت العدسة مفارقة صارخة بين حاجة المواطن المنهك اقتصادياً وجشع البيع العشوائي.
المستهلك (مواطن من رواد السوق): يعبر عن عجزه التام أمام الغلاء، مؤكداً أنه يضطر لشراء بضاعة يعلم أنها تالفة جزئياً لأن جيبه لا يتحمل بدائل أفضل.
البائع الأول (تاجر تجزئة): واجهناه بالبضاعة التالفة المعروضة، فجاء تبريره جاهزاً وصادماً: “نحن نبيع الخضار والفواكه برخص السعر لمساعدة الفقراء”، متجاهلاً عن عمد أن نصف تلك الفواكه خربان ومليء بالعفن والذباب.
لم يقف التحقيق عند رصد السطح، بل توغلنا بكاميرا مستترة لتوثيق الحقيقة من أفواه أصحابها. في مواجهة مباشرة ومسجلة بالسر، قمنا بإعادة كمية من “الزيتون الفاسد” لأحد الباعة على جودتها الصادمة، ليأتي الاعتراف الصاعق الذي يلخص حجم الاستهتار بالمسؤولية الأخلاقية والصحية:
”ولا أطعميه لأولادي!”
— اعتراف بائع زيتون مسجل عبر كاميرا مستترة أثناء إرجاع بضاعة فاسدة.
هذا الاعتراف الصريح يثبت بالدليل القاطع أن بائعي المواد التالفة على علم تام بضرر بضاعتهم، لكنهم يصرون على طرحها للمستهلك البسيط كخيار وحيد لمواجهة جوعه.
بالمضي قدماً في رصد المشكلة، يبرز طرف آخر يعلق أخطاءه على شماعة غياب الخدمات الأساسية:
البائع الثاني (صاحب برّاد في السوق): يشتكي بحرقة من انقطاع مادة المازوت المخصصة لتشغيل المولدات الكهربائية من اجل تشغيل برادات حفظ الأغذية. وبحسب قوله، فإن توقف التبريد لساعات طويلة يؤدي حتماً إلى تلف الأغذية واللحوم سريعة الفساد، ومحاولة تصريفها بأي طريقة وتحت أي سعر لتجنب الخسارة المادية الكاملة.
بين تبرير بائع يتاجر بحاجة الفقراء، وشكوى آخر من انقطاع المحروقات، وغياب كامل ومريب لدور مديرية التموين والرقابة الصحية؛ تكتمل فصول الجريمة في أسواق الحسكة.
إنها حلقة مفرغة تجمع في خانة واحدة: المسؤول الغائب، والتاجر المحتكر، والبائع المستهتر. ثلاثتهم يشتركون في جريمة واحدة؛ إجبار المواطن المستضعف على شراء مرضه ومرض عائلته بلقمة عيشه الشاقة.
محمود عيسى
