بقلم : كوردستان يوسف – سري كانية
(قراءة في نص ليلة الهجران للشاعر الراحل احمد الحسيني)
منذ البدايات الأولى للأدب الكورد ي، لم يكن الشعر مجرد تعبير جمالي أو غنائي، بل كان شكلاً من أشكال الوجود، ووسيلة لحفظ الذاكرة الجمعية واللغة والهوية في مواجهة التمزق التاريخي والمنفى الطويل. ولهذا ارتبط الشعر الكورد ي بفكرة الأرض والغياب والحنين، كما ارتبط بالبحث الدائم عن معنى الحرية والانتماء، والنضال من أجل الحرية.
وقد عرف الشعر الكورد ي الكلاسيكي، مثل ملاي جزيري وأحمدي خاني، وغيرهما نزعة صوفية عميقة، حيث يتخذ الحب بعداً يتجاوز المرأة وجسدها، ليصبح طريقاً نحو المطلق، فالمرأة في قصائد الأوليين لم تكن دائماً معشوقة حسية، بل كانت رمزاً للحقيقة العليا، أو مرآة للجمال الإلهي، أو تجلياً للذات الكونية التي يسعى الشاعر إلى الاتحاد بها روحياً.
ومع تحولات العصر الحديث، لم تختفي هذه الروح الصوفية من الشعر الكورد ي، بل أعادت تشكيل نفسها داخل أسئلة الوطن والغربة والهوية، وهنا تبرز تجربة أحمد الحسيني بوصفها واحدة من أهم التجارب التي نهلت من قصائد العشق الصوفي في فضاء الذات الإلهية، ليبوح بعشقه للوطن، بحيث يصبح الوطن ذاته معشوقاً أعلى، يسكب فيه كل طاقة الحب والوجد والحنين.
في قصيدته “Di Şeva Hicranê De” /”في ليلة الهجران” لا يكتب أحمد الحسيني قصيدة وطنية بالمعنى التقليدي، ولا يرفع شعارات سياسية مباشرة، بل يخلق علاقة وجدانية وروحية مع الوطن، علاقة تشبه في بنيتها العميقة قصائد العشق الصوفي الكلاسيكية، فالوطن هنا ليس أرضاً فقط، بل كائن حي، أنثى متخيلة، وجسد روحي يسكن الشاعر ويسكنه الشاعر في الوقت ذاته، ومنذ مطلع النص يبدأ بكلمة “أحبك”مختاراً لها زمناً يرتبط بالمقدس والديني و الميثولوجي، فمن عمق ليلة لها قدسيتها يبدأ ببث عشقه ومشاعره:
“في ليلة الهجران
أحبك أكثر من أي وقت مضى”
حيث يضعنا أمام حالة عشق كاملة، لكن هذا العشق يظل معلقاً بين الحبيبة والوطن، وهذه الازدواجية ليست غموضاً عابراً، بل جزء من البنية الجمالية للنص، فالحبيبة في القصيدة تتخذ صفات الأنثى من حيث الحميمية والعاطفة والافتتان، لكنه في العمق هو الوطن الكورد ي بكل جغرافيته وألمه وتشظيه.
وهنا تكمن قوة النص، إذ ينجح أحمد الحسيني في خلق تماه بين عشق المرأة وعشق الوطن، بحيث تتداخل صورة الحبيبة مع صورة الأرض، تماماً كما كانت القصيدة الصوفية الكلاسيكية تجعل من المعشوق تجلياً للحقيقة المطلقة، غير أن الحسيني يعيد توجيه هذه الطاقة الصوفية نحو الوطن بوصفه “الذات العليا” الجديدة، أو المعشوق المطلق الذي تتوحد فيه الروح والهوية والذاكرة.
ولهذا تأتي مفردات القصيدة محملة بحس حميمي شديد الرقة:
“أحب حمرتك
وأخضرك
وأحب أسودك أيضاً”
فعلى المستوى الجمالي تبدو الألوان وكأنها تفاصيل أثواب تزين جسد الحبيبة، لكن على المستوى الرمزي تحيل مباشرة إلى ألوان العلم الكورد ي، لتتحول القصيدة من غزل عاطفي إلى غزل جغرافي وهوياتي، فالشاعر لا يصف وطناً مجرداً، بل يعشق تفاصيله كما يعشق جمال الحبيبة، فيصبح اللون ذاكرة، وتصبح الراية جسداً رمزياً نابضاً بالحب، كما أن حضور المدن في النص يمنحه بعداً جغرافياً وسياسياً عميقاً:
“أحب مهاباد، هولير، آمد
وأحب قامشلو الجميلة”
هذه المدن لا تظهر باعتبارها أسماء أمكنة فقط، بل بوصفها خرائط للعاطفة الكورد ية الممزقة، فكل مدينة تمثل جزءاً من الجسد الكورد ي المقسم تاريخياً بين الحدود والأنظمة السياسية، وهنا تتحول الجغرافيا إلى حالة شعورية، ويصبح الحب وسيلة لإعادة توحيد المكان داخل اللغة بعد أن فرض عليه التمزق في الواقع.
إن ذكر مهاباد يستدعي ذاكرة الجمهورية الكورد ية الأولى، بينما تحضر هولير بوصفها مركزاً للهوية السياسية والثقافية، وتأتي آمد كرمز للمقاومة التاريخية في شمال كوردستان، فيما تبدو قامشلو، بل قامشلوكي كما أراد الحسيني تدليلها تحبباً، ومناداتها بدلع جميل كونها مدينة الحنين الكورد ي على المستوى السوري، بكل ما تحمله من معنى ثقافي ووجداني، ومن هنا فإن القصيدة تعيد رسم خريطة كوردستان لا عبر السياسة ولغتها، بل عبر الحب ولغة الشعر.
ولا ينفصل هذا البعد الجغرافي عن البعد السياسي في النص، غير أن السياسة هنا لا تُطرح بوصفها خطاباً أيديولوجياً مباشراً، بل بوصفها إحساساً داخلياً بالفقد والانقسام والمنفى، لذلك يظهر “المهاجرون الذين لن يعودوا إلى أعشاشهم” كصورة تختصر المأساة الكورد ية المستمرة بين الحدود حيث الشتات والإقتلاع، والهطول الحزين للمطر، والهجرة القسرية. فالعش هنا ليس بيتاً ومكاناً للسكن والإقامة، بل هو الوطن نفسه.
كما يمنح أحمد الحسيني للمقاومة بعداً جمالياً حين يقول:
“أحب عناد مقاتليك”
فالعناد لا يظهر كصفة قتالية فحسب، بل كقيمة وجودية مرتبطة بفكرة البقاء والصمود والأصرار، وربما كانت الترجمة الحرفية هي يباسة الرأس والتي تتراوح كحالة اجتماعية بين فخر الكورد ي وتنمر الآخر ،فالكورد ي يمتلك إصراراً فولاذياً لا يقهر، وهي لفتة قوية وعميقة تناولها الحسيني حين ربط العناد بالمقاتلين المحاربين، فالمقاتلين الكورد في النص ليست شخصيات عسكرية فحسب، بل امتداد لروح الأرض التي ترفض الزوال، ولغة التضحية في مواجهة المحتلين.
ربما كان هذا الكلام موازياً لروح المفردات والصور الشعرية، وأما على المستوى الجمالي فإن القصيدة تعتمد على البساطة المكثفة واللغة الشفافة التي تخفي تحت هدوئها شحنة عاطفية عالية، فتكرار تعبير “أحبك” لا يؤدي وظيفة موسيقية فقط، بل يصنع إيقاعاً وجدانياً يماثل الابتهال الصوفي، وكأن الشاعر يردد ذكراً روحياً في حضرة معشوقه الأعلى.
وتبلغ القصيدة ذروتها في الخاتمة بعد تكثيف وسرد صور شعرية لها عمقها ومكانتها في المشاعر الجمعية الكورد ي ..فهو يدرك ما معنى علو زاغروس و قداسة دم الشهداء، ودفء قلوب الامهات، وحزن المطر وهو يهطل ندياً على الحدود التي تفصل الوطن إلى أربعة أجزاء، كقلب تشظى إلى أربع شظايا، فهو يعلن عشقه لكل جزء ..ويختتم أنه بقدر ذلك الحزن النبيل، وذاك العلو، وذاك العناد، وبقدر اشتياق المهاجر إلى وطنه، وبكثير من العمق والاحساس بمعنى حقيقة العشق يقفل النص بهذه القفلة الوجدانية التي تترك أثراً بليغاً، وخاصة بلغتها الأم ..و تخصيصاً حينما نسمعها بصوت الشاعر الحسيني ذاته:
“أحب أن أقول لك
أحبك…
يا وطني”
حيث يكشف النص هوية المعشوق بشكل صريح، لكن هذا الكشف لا يبدد الغموض، بل يعمقه، فالوطن يظهر في النهاية كحقيقة كانت حاضرة منذ البداية خلف قناع شفاف، وهكذا تتحول القصيدة كلها إلى رحلة كشف صوفي تنتقل من العشق الإنساني الظاهر إلى العشق الوطني بوصفه شكلاً من أشكال المطلق، فقد استطاع أحمد الحسيني أن يحرر القصيدة الوطنية من المباشرة والشعارات، وأن يمنحها بعداً جمالياً وروحياً نادراً، فهو لا يكتب الوطن كقضية سياسية فقط، بل يكتبه كقدر وجودي، وكمعشوق أبدي تتوحد فيه الرغبات والأرض والحرية والذاكرة.
وفي هذا تكمن حداثته الحقيقية؛ إذ لم يهدم الإرث الصوفي الكورد ي، بل أعاد تأويله داخل تجربة معاصرة يصبح فيها الوطن هو الذات العليا الجديدة، ويصبح الحب شكلاً من أشكال المقاومة الروحية ضد الفقد والمنفى والتشظي
