آراء ومقالات

القاضي محمد.. من ساحة “چوارچرا” إلى خلود الذاكرة الكردية.

بقلم عبدالوهاب پيراني

في شتاء عام 1946،وبعد الحرب العالمية الثانية، ومع تصاعد رقعة الحرب الباردة ودخول العالم مرحلة جديدة من الصراع الجيوسياسي، أعلن القاضي محمد في مدينة مهاباد بشرق كردستان عن قيام “جمهورية كردستان الديمقراطية”.

لم تكن تلك الجمهورية الوليدة التي عاشت 11 شهراً فقط مجرد حدث عابر في التاريخ، بل كانت تجسيداً لحلم طال انتظاره لدى الشعب الكردي.. حلم الدولة التي تجمع شتات الأمة الكردية على أسس ديمقراطية، وتنتزع اعترافاً دولياً بحقوقها القومية المشروعة.

لم يكن القاضي محمد قائداً تاريخياً، بل كان ابن مدينة مهاباد الذي ولد عام 1893 لعائلة عرفت بالعلم والقضاء، فنشأ في كنف والده القاضي ملا مصطفى، رئيس قضاة المنطقة، فتلقى علومه الدينية والقانونية على يديه، وظهرت عليه منذ الصغر بوادر النبوغ في الفقه والأدب الكردي والفارسي، وامتلك ثقافة موسوعية جعلت منه شخصية تحظى بالاحترام ليس فقط بين النخبة الدينية والقبلية، بل أيضاً بين المثقفين الوطنيين الكرد والفرس أيضاً، و عمل قاضياً في مهاباد، واشتهر بنزاهته الفائقة وحكمته في فض النزاعات العشائرية والقضائية، فلم يكن دوره محصوراً في القضاء، بل تحول إلى همزة وصل بين كل مكونات المجتمع الكردي، من القبائل والعلماء إلى المثقفين والضباط، وهذه المكانة جعلت منه مرجعاً للحركة القومية الكردية عندما تصاعدت المطالب القومية بعد الحرب العالمية الثانية.

مع انتهاء الحرب واحتلال الحلفاء لإيران، تشكلت “جمعية الحياة الكردية” في مهاباد، فانتخب القاضي محمد رئيساً لها، فأدرك أن المرحلة التاريخية تتيح فرصة فريدة، فقاد المفاوضات مع القوى الإقليمية والدولية، وتمكن من توحيد الجهود مع القائد مصطفى بارزاني الذي لجأ إلى المنطقة مع آلاف من مقاتليه بعد إخفاق الثورة الكردية في جنوب كردستان، وفي 22 كانون الثاني 1946، ألقى خطاباً تاريخياً في ساحة “چوارچرا” بمهاباد، معلناً قيام الجمهورية، ليصبح أول رئيس لها، وكان حريصاً على ألا تكون الجمهورية نسخة من الزعامات السلطوية، بل نموذجاً حضارياً بمؤسسات ديمقراطية تعكس تنوع المجتمع الكردي وتعدد عشائره.

امتاز القاضي محمد بصفات جعلت منه شخصية استثنائية في تاريخ النضال الكردي، فقد كان وسيطاً عادلاً يجمع بين الروح العشائرية والدينية والعلمانية، ورغبة في إنشاء جيش قوي قادر على مكتسبات الشعب، وعن الجمهورية، في إطار وطني واحد، ولم يكن مستبداً برأيه، بل اعتمد أسلوب التشاور وبناء التوافق، وهو ما شهدت عليه جلسات حكومته، ومجلسه الذي كانت تناقش فيه القضايا الكبرى بحرية وشفافية، وامتلك القاضي محمد واقعية سياسية جعلته يدرك صعوبة التحديات، فعمل على إقامة علاقات متوازنة مع القوى الخارجية، وسعى إلى إعطاء الجمهورية طابعاً ديمقراطياً مدنياً يجذب التعاطف الدولي، وعندما جاءت لحظة الانهيار، أظهر شجاعة أخلاقية فائقة، إذ رفض الفرار وبقي في مهاباد ليتحمل المسؤولية حتى النهاية، مما كلفه حياته، وتم إعدامه من قبل السلطات الإيرانية في ذات الساحة التي أعلن منها بيان اعلان الجمهورية، الك الساحة التي مازالت تحمل اسم جوار جرا، أي القناديل أو الشموع الأربعة ،والتي تركت أثرها في وجدان بنات وأبناء الشعب الكردي، وظهرت في الأدب والفن كأيقونة تاريخية معبرة عن إرادة الكرد في الانعتاق والتحرر.

ولم تكن تجربة مهاباد مجرد مشروعاً فردياً، بل مأثرة نضال شعبي، امتدت إلى شريكة دربه، فقد وقفت  إلى جانبه زوجته فاطمة خوجة (خانم) كشريكة حقيقية في بناء الدولة الوليدة، امرأة مثقفة وواعية آمنت بالمشروع الوطني، وسخرت كل إمكانياتها لدعمه، ولعبت دوراً محورياً في تنظيم العمل النسائي في مهاباد، فشجعت النساء على المشاركة في الحياة العامة، وساعدت في تأسيس أولى المبادرات النسائية التي هدفت إلى تعزيز الوعي الوطني والاجتماعي، في مجتمع قبلي تقليدي، وكانت شخصيتها تمثل نموذجاً رائداً للمرأة الكردية القادرة على حمل رسالة وطنية بجانب القيادة، وبعد سقوط الجمهورية وإعدام زوجها، لم تنكسر إرادتها، بل تحملت مسؤولية أطفالها، وحافظت على ذكراه وإرثه، وظلت مثالاً في الصمود والإخلاص للقضية الكردية حتى رحيلها، مؤكدة أن بناء دولة حضارية مدنية لا يتحقق فقط بالمؤسسات والسياسات، بل أيضاً بدور المرأة التي تساند وتشارك وتضحي.

جاء تأسيس الجمهورية كنتيجة حتمية لتراكم النضال القومي الكردي في إيران، والذي تصاعد مع نهاية الحرب العالمية الثانية بالتزامن مع احتلال الحلفاء لإيران، حيث سيطر الاتحاد السوفيتي على شمال إيران بما فيها مهاباد، و وجد السوفيت في الحركات القومية أداة ضغط سياسي على الحكومة المركزية في طهران، ما وفر غطاءً عسكرياً وسياسياً مؤقتاً للجمهورية الفتية.

على الرغم من قصر عمرها، استطاعت جمهورية مهاباد أن تترك إرثاً مؤسساتياً فريداً، فقد تم تشكيل حكومة وبرلمان من 12 عضواً يمثلون مختلف مكونات المجتمع، وأعلنت اللغة الكردية لغة رسمية، وفتحت المدارس الكردية، وصدرت الصحف والمطبوعات باللغة الكردية، ونشطت حركة الثقافة  والمسرح الكردي، كما تشكل جيش وطني بقيادة الجنرال مصطفى بارزاني ليصبح نواة للنضال الكردي المسلح في العقود التالية، ونُظمت الإدارة المحلية وأسس نظام قضائي مستقل.

غير أن الجمهورية لم تدم طويلاً  في ظل التوازنات الدولية الهشة، إذ تآمرت عليها عوامل عدة أدت إلى انهيارها في كانون الاول لعام 1946، تحت الضغوط الأمريكية والبريطانية، واضطر الاتحاد السوفيتي إلى الانسحاب من إيران، تاركاً الجمهورية دون غطاء عسكري، بينما أبرمت الحكومة الإيرانية اتفاقاً مع السوفيت مقابل امتيازات نفطية جعلت مصير الجمهورية ورقة مساومة، و في الوقت نفسه، تعرضت القيادة الكردية لضغوط هائلة واعتمدت على وعود إيرانية لم تلتزم بها، ومع دخول الجيش الإيراني إلى مهاباد، تم اعتقال القاضي محمد ورفاقه وإعدامهم شنقاً في ساحة “چوارچرا” في 31 مارس 1947، منهياً التجربة بشكل مأساوي.

تقدم تجربة مهاباد للقادة الكرد وللشعب الكردي درساً قاسياً بأن الاعتماد على القوى الكبرى سيف ذو حدين، وأن أي مشروع قومي لن ينجح دون قاعدة شعبية صلبة متحدة الصف و الموقف، وضرورة  توفير دعم خارجي موثوق، كما بينت أن الوحدة بين القيادة السياسية والعسكرية تشكل تجربة عميقة، وبأن أي انقسام سيؤدي إلى الانهيار، كما أثبتت أن النموذج الديمقراطي التعددي هو الأقدر على حشد التأييد، وأن المشروع لم يمت بسقوط الجمهورية بل انتقلت شعلته إلى أجزاء أخرى من كردستان، فكانت مهاباد المدرسة التي تخرج منها جيل من القادة الذين واصلوا النضال.

إن قصة جمهورية مهاباد ليست سوى حلقة في سلسلة متصلة من نضال شعب عانى من أقسى أنواع التهميش والإقصاء والإنكار على مدار قرن كامل، وإن إصرار الشعب الكردي على حقه في الوجود والحكم الذاتي هو أطول سيرة نضالية في المنطقة، بدأت مع انهيار السلطنة العثمانية، حين وجد الشعب الكردي نفسه ممزقاً بين دول قومية حديثة أنكرت الحق والوجود التاريخي للشعب الكردي، فمن اتفاقية لوزان (1923) السيئة الذكر، التي شطبت الوجود الكردي الرسمي من خارطة المنطقة، إلى ثورة الشيخ سعيد بيران في ديار بكر عام 1925 التي قمعت بوحشية، مروراً بتجربة مهاباد التي أرست قواعد الدولة الديمقراطية الحديثة في شرق كردستان (إيران)، وصولاً إلى ثورة روج آفا (شمال وشرق سوريا) عام 2011 التي قدمت نموذجاً متقدماً في الإدارة الذاتية الديمقراطية والتعددية.

يمثل المسار النضالي التاريخي الطويل إرادة شعب لم تنكسر عزيمته بمرور الزمن، فاليوم ومع اشتداد النضال التحرري المستمر في أجزاء كردستان الأربعة، يبقى هدفه في نيل الحقوق السياسية والقومية الكاملة، والعيش ضمن نظام ديمقراطي تعددي لا يلغي الهوية الكردية بل يعترف بها كشريك أساسي في نسيج المنطقة.

 إن الدروس المستفادة من مهاباد ومن مسيرة النضال الممتدة لقرن كامل تؤكد حقيقة واحدة، بأنه لا يمكن لأي مشروع قائم على الإنكار والإبادة العرقية أو اللغوية الثقافية أن يصمد أمام إرادة شعب يمتلك وعياً تاريخياً وحلماً بالحرية، فكما انتصرت الذاكرة على إعدام القاضي محمد، ستنتصر إرادة الحياة والعيش المشترك على مشاريع التجزئة والإنكار، لأن نضال الشعب الكردي لم يكن يوماً نزعة انعزالية، بل كان جزءاً من نضال أوسع من أجل الديمقراطية والعدالة والسلام في الشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى