
بقلم كردستان يوسف
ما الذي يدفعنا إلى الكتابة، ونثر الكلمات على صفحات بيضاء، أو النقر على الكيبورد ونشر ما نكتبه للآخرين؟ ولماذا نختار العزلة ونبوح بكل شيء في عملية الكتابة؟ ثم أليست الكتابة من أقدم مظاهر الحضارة منذ أن بدأ الإنسان يفكر في كيفية تدوين حياته ويومياته؟ أسئلة قديمة قدم الكتابة نفسها، وإجاباتها تتجدد مع كل كاتب وقارئ.
فالكتابة ليست مجرد موهبة كما يظن البعض، إنها على الأغلب ردة فعل داخلية على واقع يراه الكاتب مختلفاً عما يتمنى، قد تكون ثورة على واقع سياسي، أو هروباً من ضيق اجتماعي، أو حتى محاولة لفهم الذات والوجود، وربما هنا يمكن أن نتساءل أيضاً لماذا يرسم الفنان؟ ولماذا كانت الأمهات يروين الحكايات؟ وربما نتساءل لماذا يتحدث الغرباء إلى بعضهم بعضاً؟ هل لأنها وسائل اتصال بشرية؟ وهنا نتساءل مرة ثانية هل يمكن لأي إنسان أن يكتب، أو بمعنى آخر يتحول إلى كاتب؟ ومن هو الكاتب؟
الكاتب يبتكر عوالم يراها حلاً أمام غموض الوجود، يسعى لفهم الحياة وتغييرها، أو على الأقل تسليط ضوء فضولي على مناطقها المعتمة، وهذا لا يقتصر على الأدب المأساوي فقط، بل يشمل كل أشكال الكتابة إذا تعمقنا في طبيعتها، ولنتابع بعضاً من شهادات الكتاب في جوابهم على هذا السؤال والتي حصلنا عليها من خلال حواراتهم واعترافاتهم ومذكراتهم ومقدمات كتبهم.
غابرييل غارثيا ماركيز قال: “أكتب لكي يُحبني أصدقائي أكثر”. عبارة بسيطة لكنها عميقة، فالكتابة وسيلة للتواصل مع الآخرين بطريقة حميمية، ورأى إرنست همنجواي أن “الكتابة هي محاولة للعثور على الحقيقة الوحيدة التي تستحق العناء”، أما فرانز كافكا فقد اعترف بصراحة بأن “الكتابة هي الصلاة الأخيرة للروح”، في عالم مليء بالاغتراب، كانت الكتابة ملجأه الروحي، والروائي نجيب محفوظ قال: “أكتب لأنني لا أستطيع أن أعيش بدون كتابة، إنها مثل التنفس” فالكتابة بالنسبة له لم تكن اختياراً بل ضرورة حياتية، وفي هذا المجال يقول الروائي السوري حنا مينا “الكاتب الذي لا هدف له، ولا يريد شيئاً، ولا يأمل شيئاً، ولا يجرؤ على قول الحقيقة، لا يستحق أن نطلق عليه لقب الكاتب”، ووصفت أحلام مستغانمي علاقتها مع الكتابة: “أكتب لأثبت لنفسي أولاً أنني موجودة، وأن للحزن الذي بداخلي معنى”. الكتابة هنا دليل وجود ومعاناة، وقالت فيرجينيا وولف مقولتها الشهيرة: “لكي تكتب المرأة الرواية، يجب أن تملك مالاً خاصاً وغرفة تخصها وحدها”، حيث رأت أن الاستقلال المادي والمكاني شرط أساسي لكتابة المرأة، لأنها ظلت لوقت طويل تكتب في غرف مكتظة، أما مارغريت آتوود تضيف بأن “المرأة تكتب لأنها تريد أن تشهد على عصرها، وأن تقول الأشياء التي لم يسمح لها بقولها”، فالكتابة عند المرأة شهادة على زمنها وتجربتها، وقالت غادة السمان : “أكتب لأنني امرأة تعبت من الصمت، لأن الكلمات كانت الملاذ الوحيد من جنون الواقع”،و تعبر عن معاناة المرأة الشرقية التي وجدت في الكتابة متنفساً، ورأت نوال السعداوي أن “الكتابة عند المرأة هي ثورة على واقع يريد إسكاتها، وهي إعلان وجود في عالم يفضل أن تبقى فيه صامتة”، فالكتابة فعل مقاومة.
لإلقاء الضوء على جانب آخر من ضرورة الكتابة عبر الإجابة عن سؤال هل يكتب الكاتب لنفسه أم للقراء؟ وهو سؤال قديم جديد.. هل نكتب لأنفسنا فقط، أم نكتب من أجل الآخرين؟ كثير من الكتاب يؤمنون أن الكتابة الجيدة تبدأ من الذات، مثل ألبير كامو الذي قال: “لا أكتب لأسعد أحداً، ولا لأغيظ أحداً، أكتب فقط لأنني لا أستطيع النوم قبل أن أخرج ما في داخلي”و الكتابة هنا ضرورة شخصية قبل أي شيء آخر، وتشارلز بوكوفسكي كان صريحاً: “اكتب لنفسك أولاً، فإن كان ما تكتبه صادقاً، سيجد قراءه حتماً”، الصدق مع الذات هو ما يخلق صدى لدى الآخرين، في المقابل هناك من يرى أن الكتابة عملية تواصل لا تكتمل إلا بالقارئ، مثلاً باولو كويلو يقول: “الكاتب الحقيقي يكتب ليشارك الآخرين رحلته، لا ليحتكر مشاعره لنفسه”، أما نجيب محفوظ كان يجمع بين الرأيين فيقول “أكتب ما يرضيني أولاً، لكني لا أنسى أن القارئ شريك أساسي في هذه الرحلة”. وربما يكون الحل في منطقة وسطى أن نكتب لأنفسنا بصدق اكتب لنفسك دون ان تغلق الأبواب أمام من يريد الدخول إلى عالمك.وبخصوص رأيي أو جوابي حول الموضوع، فأنا أجد الكاتبة بطبيعتها كائناً قلقاً، تفتقر لذلك الرضى الطبيعي عن نفسها وعن الواقع بكل مستوياته، هي إنسانة ترى أن ما حولها لا يتوافق مع تطلعاتها، فتبحث عن عالم بديل تخلقه بالكلمات، وقد يبدو هذا التوصيف موجعاً لمن يرون الكتابة مجرد متعة، لكن الحقيقة أن الكاتبة تعيش حالة من التمرد الداخلي.. فلو تخيلنا أن هناك من يعيش في واقع لا يشبه أحلامه، لا يجد حوله ما يرضي فضوله أو يتوافق مع قناعاته، فيمسك بالقلم ليخلق عوالم جديدة. بهذا المعنى تصبح الكتابة أشبه بجسر نجاة أمام سيل جارف من الأسئلة والهموم، وأعتقد أن الكاتبة كائن مجروح في وجدانها، وكل ما تكتبه هو محاولة لتضميد هذا الجرح، لهذا السبب تتمسك الكاتبة بشرارة الكتابة منذ أول إحساس بها، وتمضي في التعاطي معها كمن يعثر على خلاص.
و أرى أن المرأة تكتب لتؤرخ لتجربتها الخاصة، ولتخرج من دائرة الصمت المفروض عليها اجتماعياً، ولتخلق نماذج نسائية بديلة عن تلك التي قدمها الرجال لقرون، وكنت أتمنى مشاركة أجوبة بعض الكاتبات والكتاب الكورد حول السؤال العام الذي طرحته في متن هذه المادة: لماذا نكتب؟ قد تكون الإجابة بسيطة كأن تكتب لتحتفظ بذكرى، أو عميقة كأن تكتب لتفهم لماذا أنت هنا في هذا العالم.. المهم أن تعرف أن لكل كاتب أسبابه الخاصة، وأن ما يهم في النهاية ليس لماذا نكتب، بل ماذا نكتب، وكيف نترك بصمة على الورق قبل أن تحلق أرواحنا في الغياب، ولكنني لم أعثر على أجوبة شافية، وأتمنى أن يبادر الأصدقاء بكتابة رؤيتهم بشكل مختصر ضمن التعليقات أو عبر البريد الإلكتروني لإغناء الموضوع.
الكاتبة أو الكاتب في النهاية يبدأ من داخله، من جرحه، من قلقه، من رغبته في التعبير، لكنه حين ينشر ما كتبه، يفتح باباً للحوار مع العالم. الكتابة مثل الرسالة في زجاجة ترسلها إلى البحر دون أن تعرف من سيصل إليها، لكنك تأمل أن يقرأها أحدهم ويفهم ما أردت قوله. الكتابة تشبهنا تماماً تبدأ من جرح، وتمر بقلق، وتنتهي بأمل أن يقرأنا أحدهم في يوم ما، فيشعر أننا كنا هنا وحاولنا أن نترك فهمنا لمعنى الحياة على الورق ..الذي ربما ينقرض يوماً ما.