بقلم الكاتب : كرديار دريعي
نحن لا نلوم أعداء الشعب الكوردي على محاربتهم لشعبنا وقضيته، مهما كانت الوسائل التي يلجؤون إليها، ومهما بلغت درجة وحشيتها وهمجيتها؛ فهم أعداء، ومواقفهم وسياساتهم ليست مفاجئة، بل تنسجم مع طبيعة مشروعهم القائم على إنكار الوجود الكردي ومحاربة تطلعاته المشروعة. لكن ما يثير الألم والغضب الحقيقيين هو أن تتحول بعض الأصوات المنتمية إلى جلدتنا إلى جبهة داخلية تستهدف شعبها، وتطعن في تضحياته، وتعمل على تشويه تجربته من الداخل. في روجافا، ومنذ عام 2012، أخذت هذه الظاهرة منحى متصاعداً ومقلقاً، عبر حفنة من أشباه الأحزاب والشخصيات التي اختارت لنفسها نهجاً سياسياً وثقافياً قائماً على التشكيك والتشويه والتقليل من شأن كل خطوة وإنجاز تحققه حركة حرية كردستان. لم يكن الأمر اختلافاً سياسياً طبيعياً، ولا ممارسة مشروعة للنقد والمعارضة، بل تحول في كثير من الأحيان إلى حملة ممنهجة لنزع الشرعية عن تجربة سياسية ومجتمعية دفعت أثماناً باهظة في سبيل حماية الوجود الكوردي والدفاع عن شعوب المنطقة. لقد شككوا في المواجهات التي خاضتها القوات الكردية ضد الإرهاب، واستخفوا بتضحيات الشهداء، ووصفوا جنائزهم بأنها مجرد صناديق فارغة، في إساءة لا تستهدف عائلات الشهداء وذويهم فحسب، بل تطعن في الذاكرة الجماعية لشعب بأكمله. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل وصل إلى حد تجريد وحدات حماية الشعب والمرأة (YPG و(YPJ من هويتها الكردية، والتشكيك في انتمائها الوطني، والعمل عبر قنوات التواصل والعلاقات الدبلوماسية على تسويق روايات تتقاطع مع سرديات أعداء الكرد، وتقديم تجربة الإدارة الذاتية وقواتها بصورة مشوهة، وصولاً إلى وصمها بالإرهاب وتوفير الذرائع السياسية والأخلاقية لاستهدافها. كما لم تسلم قيادات الحركة ورموزها من حملات التشويه والتشهير، التي تجاوزت حدود الاختلاف السياسي إلى محاولات اغتيال معنوي متعمدة، عبر فبركة الروايات وترويج الاتهامات وإعادة إنتاج الأكاذيب. لكن الأخطر والأكثر انحداراً هو الوصول إلى مستوى تجريم الحركة وتلفيق الروايات حول استشهاد كوادرها، وتحويل دماء الشهداء إلى مادة للمزايدات السياسية وتصفية الحسابات. وليس آخر هذه المحاولات ما يجري تداوله من روايات واتهامات حول استشهاد الشهيد جوان إبراهيم، حيث باتت بعض الأطراف تتعامل مع دماء الشهداء وكأنها فرصة جديدة للطعن والتشويه، بدلاً من التحلي بالمسؤولية الأخلاقية وانتظار الحقائق والأدلة. وهنا يحق لنا أن نتساءل: ماذا بقي من حدود الأخلاق السياسية والوطنية لم يتم تجاوزها؟ وأي مشروع سياسي يمكن أن يُبنى على إنكار التضحيات، وتشويه التاريخ، والطعن في المقاومين، وترديد الروايات التي تخدم خصوم القضية الكردية؟ هذا ليس اختلافا سياسيا والذي هو حق مشروع، فثمة فارقاً شاسعاً بين أن تكون مختلفا وبين أن تكون رأس الرمح لأعداء الكرد، وأبشع منهم، سواء عن دراية أو غباء أو بيع رخيص للضمير أما حقدا أو انتقاما أو لأجر مدفوع. لقد آن الأوان لمواجهة هذه الظاهرة سياسياً وأخلاقياً وثقافياً، وكشف تناقضاتها أمام الرأي العام، ومساءلة أصحابها عن مواقفهم وممارساتهم، لا بمنطق الانتقام أو التخوين، بل بمنطق المسؤولية التاريخية وحق الشعب في معرفة من يدافع عن قضيته ومن يساهم في إضعافها. فالشهداء ليسوا مادة للمزايدات، وتضحيات المقاتلين ليست موضوعاً للتشفي، والذاكرة الكردية ليست ساحة مفتوحة لكل من يريد تصفية حساباته السياسية. فليس مطلوباً من أحد أن يصفق لحركة حرية كردستان، لكن ليس من حق أحد أن يدوس على دماء شهدائها، أو يزوّر تاريخها، أو يتحول إلى لسان حال أعدائها، ثم يطالب الشعب باحترام موقفه تحت شعار حرية الرأي. لقد بلغ السيل الزبى، ولم يعد الصمت فضيلة أمام هذا الانحدار. آن الأوان لأن يسمّي المجتمع الأشياء بأسمائها، وأن يرفض أخلاقياً وسياسياً كل ممارسة تجعل من أبناء القضية أدوات للطعن فيها. فمن لم يستطع أن يكون شريكاً في حماية تضحيات شعبه، فليكن على الأقل أميناً في احترامها، وليكفّ عن طعنها وأن يكون مجرد أداة بيد أعداء شعبنا.
