تخيّم على سماء مدينة الحسكة في ساعات المساء سحابة كثيفة وخانقة من الغبار والأتربة، لترسم مشهداً معتماً يختزل مأساة حقيقية تعيشها هذه الحاضرة منذ أكثر من ست سنوات. هذا الغبار، الذي يندفع إلى الأعلى ليشكّل غطاءً دافقاً فوق الشوارع شبه الخالية، ليس مجرد ظاهرة طبيعية عابرة، بل هو النتيجة المباشرة لتحول المدينة التاريخية إلى بيئة صحراوية جافة بعد قطع شريان الحياة المائي عنها.
تخضع مدينة الحسكة لسياسة تجفيف ممنهجة تقودها الإحتلال التركي عبر قطع المياه المستمر عن محطة “علوك” ، وهي المصدر الرئيسي والوحيد الذي يغذي مئات الآلاف من السكان الأصليين. ويرى مراقبون ميدانيون أن هذا الحصار المائي الطويل لا يمثل إجراءً عسكرياً مؤقتاً، بل يندرج ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى التغيير الديمغرافي في المنطقة، ودفع السكان المحليين إلى الهجرة القسرية وترك أراضيهم ومنازلهم بعد أن غدت مقومات البقاء الأساسية شبه منعدمة
لم تعد أزمة الحسكة مجرد انقطاع مؤقت في شبكات الإمداد، بل تحولت إلى جفاف هيكلي ممتد غيّر من البنية المناخية والبيئية للمنطقة. ستة أعوام كاملة من غياب المياه جعلت التربة هشة وسهلة التفتت، ومع هبوب الرياح المسائية، يندفع الغبار من الأرض الجافة إلى عنان السماء، ليرسم غلافاً ضبابياً يعلو الشوارع الطويلة شبه الخاوية، حيث تظهر ملامح المارة القلائل كأشباح تعبر طريقاً ترابياً موحشاً وسط غياب تام للمظاهر الحيوية.
“إن استمرار هذه الظاهرة البيئية دون أي حلول حقيقية حتى اليوم يضع حياة السكان في مهب الخطر. نحن لا نواجه فقط أزمة عطش، بل نعيش كارثة تنفسية وبيئية متكاملة الأركان.”

— الدكتور عمر عمر، معبراً عن المخاوف الطبية في المدينة
تتجاوز هذه السحب الغبارية كونها مشهدًا كئيباً في ليل المدينة، لتشكل تهديدًا مباشرًا على الصحة العامة. وقد أعرب الدكتور عمر عمر عن مخاوفه العميقة والمتزايدة على مصير السكان الذين يضطرون لاستنشاق هذا الهواء المشبع بالأتربة العالقة يوميًا دون وجود أي أفق لمعالجة المسببات الجوهرية للأزمة.
وينطوي هذا المناخ الغباري المستحدث على مخاطر جسيمة، لا سيما على المرضى المصابين بالربو والأمراض التنفسية المزمنة؛ حيث تؤدي الكثافة العالية للأتربة في الهواء إلى تسجيل حالات اختناق حادة وإغماءات متكررة بين المواطنين، وسط ضعف الإمكانيات الطبية الناتجة عن شح المياه اللازمة للمستشفيات والمرافق الصحية.
يتجول العابرون في شوارع الحسكة المسائية وسط سراب من التراب المضاء بأنوار الشوارع الخافتة، حيث تبتلع العتمة والغبار معالم الأبنية والمرافق المحيطة. ومع استمرار غياب الحلول الجذرية لإعادة تدفق المياه وتأهيل مصادرها، تظل سحابة الغبار معلقة في السماء، كشاهد حي على مأساة مدينة يقتلها العطش ويخنقها التراب
محمود عيسى
