بقلم: كوردستان يوسف / كاتبة كوردية سورية
في مجتمعاتنا الشرقية، تتردد مقولة مُرّة تختزل مأساة علاقة المرأة بذاتها وبأخواتها من بنات جنسها مفادها “عدو المرأة هي المرأة التي لا تستطيع أن تكون أفضل منها أو أجمل منها أو أكثر علماً منها”، وهذه العبارة ليست مجرد تعبير دارج، بل هي نافذة نطل منها على تشريح نفسي واجتماعي معقد، يكشف عن آلية قمع مزدوجة، قمع خارجي من النظام الذكوري، وقمع داخلي تمارسه المرأة على نفسها وعلى نظيراتها.
الجذور النفسية
الغيرة كحزن على الذات
في الفلسفة، تُفهم الغيرة من الآخر ليس بالضرورة ككراهية له، بل كـ”حزن على الذات”، بإنها الوعي المؤلم بالفجوة بين ما تكون عليه المرأة وبين ما ترغب أن تكون، أو ما تراه استحالة في الوصول إليه، وهذا الفضاء بين “المستحيل” و”المتحقق” هو أرض خصبة لتنبت فيها بذور العدائية بين النساء، فالمرأة التي تكره امرأة أفضل منها ليست شريرة بالضرورة، بل هي ضحية لنظام زرع في داخلها شعوراً بالنقص، وجعل من نجاحات غيرها مرآة تعكس إخفاقاتها الذاتية.
البنية الاجتماعية
المرأة كحارسة للحدود الذكورية
المجتمع الذكوري لم يكتفِ بتقييد المرأة، بل زرع داخلها صراعاً خفياً، وضعفاً متوارثاً، ومنحها المطبخ مملكة، والفراش آلة للمتعة والتفريخ، ثم جعل منها شريكة “حرة” ضمن الحدود التي يرسمها هو، والأكثر إيلاماً أن هذه الهيمنة الذكورية بارعة في تحويل القمع إلى صراع داخلي بين النساء، فتتحول المرأة إلى حارسة للحدود التي وضعها الرجل، ومدافعة عن النموذج الذي قيدها فيه، فهي الأم التي تمنع توزيع الميراث على البنات، وهي التي تربي البنت على الخنوع لقواعد المجتمع الذكوري، وهي التي تحدد “المرغوب” و”غير المرغوب” في المرأة وفق رؤية الرجل، و لقد صنع الرجل قوانينه وفسر دينه حسب حدود ممتلكاته، ثم جعل من المرأة حارسة أمينة على جسدها وضميرها، مزروعاً بمبادئ الحفظ والحراسة، وهكذا خفف من حدة صراعه المباشر معها، وجعل العداوة بين النساء قانوناً مقدساً.
الجذور الثقافية
اختزال المرأة إلى وظيفة اجتماعية
المرأة في هذه الثقافة ليست إنساناً أولاً، بل هي وظيفة اجتماعية (زوجة، أم، أخت، ابنة) هذا الاختزال يجعل من أي محاولة للخروج عن هذه الوظائف تهديداً للنظام كله، ولذلك تُخشى المرأة “الكاملة” التي تفكر وتختار، وتعيش أكثر من حياة في وقت واحد، والنظام الذكوري يخاف من امرأة تحمل وعياً نقدياً، فتتحرر العلاقة بين النساء حين يُكسر هذا الاختزال، وحين تصبح المرأة إنساناً أولاً.
المقارنة مع المجتمعات الغربية..
اختلاف السياقات واتحاد الجوهر
هل توجد هذه الذهنية في المجتمعات الغربية؟ وللإجابة على هذا السؤال يمكن الذهاب بالإيجاب ..ولكن بدرجات وأشكال مختلفة، ففي المجتمعات الغربية، رغم التقدم في الحقوق والمساواة الشكلية، تبقى رواسب عقلية التنافس السلبي بين النساء موجودة، خاصة في مجالات مثل الجمال والشيخوخة والنجاح المهني، لكن الفرق الجوهري هو أن المجتمعات الغربية طورت خطاباً نسوياً نقدياً قادراً على تفكيك هذه الآليات ونشر الوعي بها، كما أنظمتها القانونية توفر حماية أكبر للمرأة وتشجع على التضامن النسائي.
في الشرق، ما يزيد من حدة هذه الظاهرة هو أن النظام الذكوري لا يزال مكشوفاً وقوياً، ويعمل ضمن بنى اجتماعية واقتصادية ودينية تدعمه علناً، أما في الغرب فقد تحول القمع إلى أشكال أكثر دهاءً ورمزية، مما خلق أوهاماً بالمساواة الكاملة بينما تبقى البنى العميقة غير متكافئة.
المرأة الكوردية وتحدي التحرر المزدوج
المرأة الكوردية تواجه تحدياً مزدوجاً، فهي تعيش تحت وطأة الهيمنة الذكورية التقليدية، وفي نفس الوقت تتعرض لقمع قومي في دولها الأصلية، ورغم ذلك تشكلت لديها مقاومة خاصة، حيث لعبت المرأة الكوردية أدواراً قيادية في المجالات السياسية و الثقافية والعسكرية أيضاً، كما في مجال التعليم والأدب والفن وعموم النشاط المجتمعي.
لتتجاوز المرأة الكوردية عقلية العداء للنساء الناجحات، عليها:
1- بناء وعي نسوي خاص: يرتبط بثقافتها وتاريخها، دون قطع مع التراث بل بإعادة قراءته نقدياً.
2- خلق مساحات تضامن آمنة: حيث تتعلم النساء الثقة ببعضهن، والاحتفاء بنجاحات بعضهن.
3- التعليم والتثقيف: كسلاح لمواجهة التقاليد المقيدة، وفهم آليات القمع الداخلي.
4- إعادة تعريف النجاح: ليس كمنافسة فردية، بل كتقدم جماعي للمجتمع النسائي ككل.
5- الاستفادة من النماذج الكوردية الناجحة: كالقائدات السياسيات والناشطات اللواتي كسرن الصور النمطية.
نحو علاقة نسائية متضامنة
تحرير العلاقة بين النساء يبدأ عندما تتوقف المرأة عن رؤية نفسها كمنافسة على موارد محدودة في مملكة الذكر، وتدرك أن تحررها مرتبط بتحرر أخواتها، حين تبدأ المرأة باحترام المرأة، وتقدير نجاحها وعدم مقارنتها سلبياً، ورفع الشك عن مستواها، وعدم تكذيب عينيها إذا كانت أجمل منها أو أكثر حضوراً أو ثقافة.
وأخيراً فأن القضية ليست في إنكار وجود عدائية بين بعض النساء، بل في فهم جذورها كناتج لاستلاب طويل، وتحويل الطاقة المهدورة في هذا الصراع الداخلي إلى طاقة إيجابية للتضامن والتغيير، فحين تتحرر المرأة من كونها “وظيفة اجتماعية” كي تصبح “إنساناً أولاً”، ستتغير نظرتها لنفسها وللنساء الأخريات، عندها فقط ستتحول تلك المقولة المرة إلى أثر من الماضي: “عدو المرأة هي المرأة التي لا تستطيع أن تكون أفضل منها”، لتحل محلها قناعة راسخة تؤسس لحالة جديدة بأن “حليفة المرأة هي المرأة التي تريد لها أن تكون أفضل منها”.
قامشلي
3/2/2026
