أثار التزايد المستمر في عدد الأحزاب السياسية بالمنطقة حالة من النقاش والجدل في أوساط الشارع الكوردي؛ حيث تباينت الآراء بين من يرى في هذا التعدد حالة من التشتت والشرذمة، وبين من يطالب بضرورة دمج هذه الكيانات في جبهة واحدة لتوحيد الرؤى وتحقيق تطلعات الشعب. وفيما يلي استعراض لأبرز مواقف وآراء المواطنين والفاعلين في هذا الإطار.

“بحاجة إلى وحدة الصف والمصير لا إلى شرذمة الكيانات”
أعرب المواطن عبد الرحيم جميل عن عدم رضاه تجاه الوضع الحالي الذي يتسم بكثرة الأحزاب دون تحقيق نتائج ملموسة تخدم الصالح العام، قائلاً:
”في الحقيقة، إن وضعنا الراهن يتطلب التكاتف والالتفاف حول قضيتنا الأساسية. لسنا بحاجة إلى إنشاء أحزاب جديدة تزيد من حالة التشرذم والتشتت التي نعيشها، فالانقسامات السياسية الحالية لم تجلب أي منفعة للشعب؛ بل على العكس، ساهمت في تراجعنا.
إن ما نطمح إليه حقيقة هو انبثاق رؤية موحدة تجمع كافة الأطراف والشرائح تحت مظلة واحدة، ليكون لنا موقف قوي وصوت مسموع قادر على انتزاع حقوقنا المشروعة. ينبغي على الأحزاب القائمة أن تراجع وتوحد صفوفها بدلاً من الاستمرار في هذا الانقسام الذي يضعف موقفنا العام.”

“المواطنة الحقيقية لا تتطلب الانتماء الحزبي الضيق”
من جانبها، أكدت السيدة جازيا إبراهيم أن كثرة الأحزاب أصبحت تمثل عبئاً ومرضاً سياسياً واجتماعياً، مشددة على أن العمل من أجل المصلحة الوطنية لا يتطلب بالضرورة الانخراط الحزبي:
”لسنا راضين على الإطلاق عن هذا التكاثر العشوائي للأحزاب، وأرى أن تعددها بهذا الشكل أصبح بمثابة علة تؤرق مجتمعنا. إن الحل لا يكمن في تغذية هذا الانقسام، بل في توحيد كافة هذه الأحزاب ضمن كيان سياسي واحد وقوي.
إن التجربة السابقة لبعض هذه الأحزاب لم تقدم ما كان يأمله الشارع، بل تركت شعوراً بالخيبة. شخصياً، لا أجد نفسي مضطرة للانتماء إلى أي حزب سياسي، فالمرء يمكنه أن يكون وطنياً غيوراً ويخدم شعبه دون أن يحمل بطاقة عضوية حزبية. نحن ندعم بقوة كل خطوة سياسية جادة تسير في الاتجاه الصحيح وتضع مصلحة الشعب كأولوية قصوى، ولكننا نرفض بقاء الأمور على حالها من تكرار للوجوه والسياسات دون تغيير حقيقي في الواقع الميداني الذي يزداد صعوبة.”

تفعيل المبادرات المشتركة ضرورة ملحة لمستقبل الكورد
وفي سياق متصل، شدد المواطن عبد الرحيم على أهمية البناء على التفاهمات السياسية السابقة وتفعيلها لخدمة الصالح العام، رافضاً تأسيس أحزاب جديدة خارج إطار الإجماع.
”من وجهة نظري، إن تأسيس أحزاب جديدة في هذه المرحلة لا يخدم أحداً، بل يعد زيادة غير مبررة. ما نحتاجه فعلياً هو توحيد الجهود الحالية ودمج الكيانات المتقاربة لتشكل جبهة قوية وموحدة.
يجب علينا الالتفات إلى التفاهمات والمبادرات التي أُطلقت سابقاً، ولا سيما مساعي الوحدة الوطنية، والعمل على تفعيل دورها بالتنسيق مع مؤسساتنا والمكونات الأخرى كالمكون العربي لتعزيز الاستقرار وتطوير المنطقة. إن الدور الحقيقي والمنشود لأي حزب سياسي يجب أن يتركز على رفع مستوى الوعي المجتمعي وتوحيد رؤى الشعب، لا على تعميق الهوة والخلافات. آمل أن تدرك كافة الأطراف أهمية هذه المرحلة وتعمل على تقليص هذه الانقسامات وحصرها في تيارات رئيسية واضحة تخدم القضية بكفاءة.”

الأحزاب الحالية لم تحقق تطلعات الشارع والوحدة هي الحل
اختتم دكتور أحمد يوسف بالإشارة إلى الفجوة الكبيرة بين أداء الأحزاب وتطلعات الشارع، مشيراً إلى أن الحل يكمن في إعادة ترتيب البيت الداخلي:
”وفقاً لتقديرنا وقراءتنا للتجارب السابقة، فإن ظهور أحزاب جديدة على الساحة السياسية لم يعد يشكل أي إضافة إيجابية، بل نراه زيادة في وتيرة التشتت. إن الأحزاب المتواجدة حالياً لم تنجح بعد في تحقيق الأهداف الأساسية والتطلعات التي يطالب بها الشارع الكوردي.
إن ما نأمله ونطالب به هو أن تعيد الكيانات السياسية الموجودة حالياً هيكلة نفسها، وأن تنسق فيما بينها بشكل أعمق للارتقاء بعملها السياسي وتصحيح مسارها. إن بقاء المشهد السياسي على هذا النحو من التشرذم لن يقودنا إلى تحقيق أي من أهدافنا المشتركة، والوحدة هي السبيل الوحيد للخروج من هذه الحالة.”
يجمع المستطلعون في الشارع على أن المرحلة الراهنة لم تعد تحتمل مزيداً من الانقسامات السياسية تحت مسميات حزبية جديدة، مؤكدين على أن “قوة الموقف تجسدها وحدة الصف”، ومطالبين النخب السياسية بضرورة تغليب المصلحة الوطنية العليا على المصالح الحزبية الضيقة.
محمود عيسى / ريبر برو / أميرة إبراهيم
