تشهد الساحة السورية حراكًا سياسيًّا وعسكريًّا متسارعًا، يُعيد رسم ملامح الإدارة والحكم في مناطق الكوردية ، وتحديدًا بعد التفاهمات الأخيرة المقرّة في التاسع والعشرين من كانون الأول/ديسمبر. وفي قلب هذه التحولات، يبرز مصطلح “الاندماج” كعنوان عريض يثير نقاشًا عميقًا وسجالًا واسعًا بين النخب الفكرية والفعاليات المدنية والحقوقية؛ إذ يتراوح التقييم بين من يراه مسارًا واقعيًّا لإنهاء التشظي المؤسساتي وضمان عودة المهجرين، ومن يتوجس منه كمشروع قد يؤدي – تاريخيًّا وعمليًّا – إلى تذويب الخصوصيات القومية والدينية، وإعادة إنتاج مناخات الإقصاء بحق المكونين الكوردي والإيزيدي.

ضرورة الفصل بين “الاندماج المؤسساتي” وجوهر “القضية الكوردية”
في قراءة تحليلية للمشهد، دعا الأكاديمي والباحث الدكتور هجار فتاح إلى ضرورة التمييز الحذر بين الأبعاد الإدارية، والمجتمعية، والثقافية لعملية الاندماج التي جرت بين مؤسسات الإدارة الذاتية والحكومة السورية.
المستوى الإداري والمؤسساتي: يرى د. فتاح أن الاندماج لم يؤثر سلبًا على الحالة الكوردية من الناحية الهيكلية؛ مبررًا ذلك بأن مؤسسات الإدارة الذاتية (المدنية منها والعسكرية) لم تكن حكرًا على المكون الكوردي بل كانت تشاركية وتضم كافة مكونات المنطقة في هيئاتها الرئاسية والتنفيذية، مشيرًا إلى أن الموظفين أنفسهم استمروا في أداء مهامهم بعد التحول الجديد.
المستوى المجتمعي: يصف فتاح هذا الجانب بأنه شهد نقطة تحول كبرى، حيث انتقل المجتمع من طور التكيف مع قوانين الإدارة الذاتية إلى طور التعامل مع قوانين الدولة السورية وتشريعاتها المركزية، وهي عملية واجهت صعوبات أولية وتتطلب وقتًا إضافيًا للتأقلم.
المستوى الثقافي والتعليمي: يشدد د. فتاح على أن الحقوق الثقافية – والمتمثلة في التحدث باللغة الأم واستخدامها في المدارس والإعلام – ما زالت بحاجة إلى نقاشات وصياغات دستورية واضحة. ووصف خطوة الحكومة السورية بتخصيص حصتين أسبوعيًّا لتعليم اللغة الكوردية بأنها “جزء بسيط جدًّا من الحقوق الثقافية”.
وتساءل دكتور فتاح عن مدى جاهزية البنية التحتية والمناهج الكوردية لمواكبة المعايير العلمية للدولة، محذرًا من معضلة “الاعتراف الرسمي والدولي” بالمناهج؛ إذ إن غياب الاعتراف سيدفع العائلات الكوردية إلى العزوف عن تلك المدارس خوفًا على مستقبل أبنائها التعليمي والمهني، مؤكدًا في ختام رؤيته: «إن المؤسسات التي كانت تتبنى اللغات الكوردية والسريانية والعربية باتت اليوم تتحدث العربية رسميًّا، ولذلك وجب فصل القضية الكوردية كقضية شعب أصيل عن مجرد عملية دمج إداري».

ملف عفرين وحق العودة: قراءة في شهادة السيدة سعاد غريب حسو
من جهتها، قاربت السيدة سعاد حميد حسو (إدارية في اتحاد إيزيدي سوريا) ملف الاندماج من زاوية الحقوق المشروعة والعدالة الاجتماعية، مشددة على أن الاندماج الفاعل لا يمكن أن يتحقق إلا إذا استند إلى أسس ديمقراطية متينة تضمن حضور المكون الكوردي كشريك أساسي وقوي في صياغة مستقبل البلاد.
وركزت السيدة حسو على “اتفاق البنود الـ 22″، مشيرة إلى أهمية الشق المتعلق بالعودة الطوعية والآمنة للاجئين والنازحين إلى ديارهم الأصلية، لاسيما أهالي منطقة عفرين. وكشفت الإحصاءات الميدانية التي أوردتها عن تحرك نحو (7) قوافل للعائدين حتى الآن، في حين لا يزال ما يقارب 10,000 مواطن من أهالي عفرين عالقين في مناطق النزوح (مثل مخيمات الشهباء والقامشلي) بانتظار تفعيل كامل البنود.
واستعرضت السيدة سعاد حجم التحديات الميدانية الساخنة التي تواجه العائدين، وأبرزها:
أزمة الملكية والسكن: تفاجأ العديد من السكان الأصليين بتوطين عائلات نازحة أخرى (من مكونات عربية) في منازلهم وقراهم، مما اضطر بعض العائدين للسكن في مخيمات مؤقتة أو الاستضافة لدى أقاربهم.
الانتهاكات المستمرة: انتقدت حسو استمرار التجاوزات الأمنية والخدمية في القرى الكوردية والإيزيدية، مثل عمليات قطع الأشجار الجائرة، وتدمير البنى التحتية، وسرقة الممتلكات والمواشي.
وطالبت إدارية في اتحاد إيزيدي سوريا بتطبيق صارم للاتفاقيات يضمن إخلاء البيوت وتسليمها لأصحابها الشرعيين، معتبرة أن كف يد الانتهاكات هو الركيزة الأساسية لإنجاح أي جهود تهدف إلى الاستقرار والعودة الآمنة.
هواجس المكون الإيزيدي ومخاوف إعادة إنتاج الإقصاء
على مقلب آخر من المشهد، تتبلور مخاوف جدية لدى الشارع والفعاليات المدنية والنسوية والديانات التعددية في مناطق الكوردية تجاه طروحات دمج فصائل المعارضة وتشكيل جيش موحد؛ حيث تُبدي الأوساط النسائية رفضًا قاطعًا لغياب تمثيل المرأة في الهياكل السياسية والعسكرية المقترحة للحكومة الجديدة، وسط تحذيرات مراقبين من هيمنة عقلية أحادية الصبغة (قوميًّا ودينيًّا) تعيد إلى الأذهان إرث عقود من سياسات الإقصاء السابقة.
وفي هذا السياق، ينظر المكون الإيزيدي ببالغ القلق إلى تشكيل هذا الجيش؛ مدفوعًا بمخاوف من أن تكون بعض الفصائل المنضوية فيه امتدادًا لمجموعات ارتكبت انتهاكات جسيمة وجرائم حرب بحق المدنيين والنساء الإيزيديات في فترات سابقة. وتطالب الفعاليات الإيزيدية بضرورة تفعيل جهات قضائية مستقلة ونزيهة لمحاسبة المتورطين في تلك الجرائم، بدلاً من إدماجهم في مؤسسات الدولة المستقبلية، وفاءً لتضحيات المنطقة التي قدمت أكثر من 15 ألف شهيد في معارك التصدي للإرهاب.
تاريخيًّا، عانى المكون الإيزيدي – الذي يمثل الديانة الثالثة في البلاد من حيث الترتيب الرقمي بعد الإسلام والمسيحية – من تهميش ممنهج؛ حيث حُرمت قراهم تاريخيًّا من بناء دور العبادة والمزارات الخاصة بهم، وفرضت وزارة الأوقاف قيودًا صارمة وصلت حد هدم بعض المساجد التي بناها الأهالي بجهودهم الذاتية بدلاً من حمايتها وتأمين خصوصيتهم الدينية.
وتختزل شهادة إحدى الشخصيات الإيزيدية النازحة عمق هذه المأساة الإنسانية بالقول: «كيف لي أن أعيش وأستقر؟ لقد أمضيت تسع سنوات كاملة دون أن أتمكن من العبور أو العودة إلى مسقط رأسي في عفرين».
“الاندماج الإيجابي” كمسار استراتيجي
رغم تعقد المشهد وحجم التوجهات، تبرز قناعة عامة لدى شرائح واسعة في المناطق الكوردية بجدوى “الاندماج الإيجابي” كمسار استراتيجي، شريطة أن يقوم على “شراكة حقيقية كاملة لا منقوصة”. إن دمج الألوية العسكرية أو المؤسسات المدنية يُنظر إليه كخطوة جيدة وصحية، ولكن نجاحها الفعلي على الأرض يظل مرهونًا بوجود ضمانات دستورية وقانونية حقيقية تكفل حقوق المكونات كافة، وتثبّت الحماية الوجودية للهويات الثقافية والدينية ضمن دستور سوريا المستقبلي؛ لضمان عدم تكرار مآسي الماضي وبناء دولة ديمقراطية تتسع لجميع أبنائها.
في الختام، يتضح أن الاندماج الوطنيَّ المرهونَ بالقوانين والضمانات الدستورية، يُمثل الركيزة الأساسية في الحفاظ على استقرار وأمن الوطن والمواطن على حدٍّ سواء. إن الاندماج بمفهومه العام ليس مجرد شعار، بل هو شراكة حقيقية في البناء والقرار بين أبناء الوطن الواحد؛ ليكون الحجر الأساس في تشييد سوريا الجديدة القائمة على التعددية، والمساواة، والعيش المشترك.”
أميرة إبراهيم
