محمود عيسى
تنقلب الصورة تماماً في مدينة الحسكة خلال ثاني أيام عيد الأضحى المبارك؛ فبينما يُفترض بالأعياد أن تضج بالصخب والازدحام في الساحات والحدائق، ارتدت شوارع المدينة اليوم ثوباً من السكينة التامة، وبدت الأحياء شبه خالية من المارة، لولا تفاصيل بسيطة تذكّر ببهجة العيد انزوت خلف جدران المنازل.
هذا الهدوء الحذر، الذي يفرضه الواقع الاقتصادي والمعيشي، غيّر من طقوس الاحتفال التقليدية، ليتحول العيد في الحسكة من فضاء الساحات العامة إلى دفء “اللمة المنزلية” وشاشات الهواتف المحمولة.
صمت الشوارع.. بهجة انكفأت إلى الداخل
في جولة بصرية بين أحياء المدينة، تبدو المنعطفات والأسواق التي كانت قبل أيام قليلة تضج بالحركة، وكأنها في استراحة مؤقتة؛ فارتفاع تكاليف المعيشة وغلاء أسعار مستلزمات العيد جعلا الكثير من العائلات تفضل البقاء في المنازل وتجنب مصاريف الخروج إلى المتنزهات أو المواقع الخاصة، مكتفين بما تيسر من ضيافة العيد التقليدية.
هذا “الصمت” الذي يلف الشوارع ليس دليلاً على غياب الفرحة، بل هو إعادة صياغة لها؛ حيث باتت البيوت ملاذاً لصناعة بهجة “على قدر الحال”؛ لحماية الأطفال وإسعادهم بأقل الإمكانيات المتاحة، بعيداً عن صخب الأسواق وأعبائها المادية.
معايدات رقمية.. جسور التواصل عبر الحدود
ومع غياب الحركة في الميدان، انتقل النبض الحقيقي للعيد إلى الفضاء الرقمي. ففي ظل الهجرة الواسعة التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، تحولت شاشات الهواتف الذكية وتطبيقات الاتصال إلى الجسر الأساسي لصلة الرحم وتبادل التهاني.
داخل منازل الحسكة، يكاد لا يخلو بيت من “مكالمة فيديو” جماعية تجمع الأمهات والآباء بأبنائهم وعائلاتهم المغتربين في دول اللجوء والاغتراب. تحولت المعايدات الرقمية من مجرد وسيلة اتصال حديثة إلى طقس أساسي من طقوس العيد، يعوض غياب الأحبة ويخفف من وطأة المسافات، لتصبح الشاشة الصغيرة متسعاً لتبادل الضحكات والدموع، واسترجاع ذكريات الأعياد الماضية.
تثبت الحسكة في هذا العيد، ومن خلال المشهدين المتناقضين – صمت الشوارع الخارجي وصخب المشاعر الداخلي عبر الشاشات – أن الأهالي متمسكون بفرحتهم رغم كل التحديات. إنها حكاية مدينة تتقن التأقلم، وتصنع من هدوء شوارعها سكينة للعائلة، ومن الهواتف المحمولة نوافذ أمل تطل بها على أحبتها خلف الحدود، بانتظار أعياد قادمة تعود فيها الحياة لتضج في الساحات من جديد

