محمود عيسى
في وقت يبحث فيه العالم عن الرفاهية الرقمية، يتدبر أهالي مدينة الحسكة السورية تفاصيل يومهم بالبحث عن شربة ماء لا تزيد أجسادهم علةً. منذ أكثر من ست سنوات، تحولت جرة الماء وعملية ملء الخزانات من تفصيل حياتي روتيني إلى رحلة محفوفة بالمخاطر الصحية. خلف واجهات الصهاريج التي تجوب شوارع المدينة، تختبئ أزمة صحية صامتة تتسلل إلى أجساد السكان؛ مياه كلسية، آبار سطحية غير معقمة، وكلى تئن تحت وطأة الرمل والحصى، ليصبح الخيار المتاح أمام الأهالي أحلاهما مُر: إما العطش، وإما المرض.
جذور الأزمة بدأت منذ اكثر من ٦ سنوات .
بيد أن هذه الصهاريج تعتمد في تعبئتها على آبار سطحية تفتقر لأدنى شروط السلامة الصحية. ويؤكد د. عبد الناصر أن هذه الآبار لا تخضع لأي فحص جرثومي دوري، فضلاً عن احتوائها على نسب كلسية عالية جداً تؤثر بشكل مباشر ومتسارع على الوظائف الحيوية للجسم، وفي مقدمتها الكلى.
النتائج الطبية المترتبة على استهلاك هذه المياه تبدو مرعبة؛ حيث يوضح الدكتور عبد الناصر أن المياه الكلسية تلعب الدور الأساسي في تشكيل الرمل داخل الكلى :

- إن ما بين 70% إلى 80% من أهالي الحسكة يعانون حالياً من وجود رمل في الكلى، بنسب متفاوتة تتراوح بين الرمل الناعم، الخشن، وصولاً إلى تشكل الأحجار الحصى الكاملة



هذه النسبة المرتفعة لم تعد مجرد توصيف نظري، بل تؤكدها الفحوصات المخبرية اليومية لمرضى المدينة.
وفي سياق البحث عن حلول أو طرق وقائية للحد من هذه الإصابات المتزايدة، يضيف السيد م. ع (المدير الطبي التقني – Technical Medical Manager) معلومة تقنية وصحية غاية في الأهمية. حيث يشير إلى أن الاعتماد على فلاتر المياه المنزلية قد لا يكون حلاً جذرياً مطلقاَ، لأن مياه الفلاتر قد تحتوي هي الأخرى على نسب قليلة من الكلس نتيجة عدم كفاءة الفلاتر المستمرة أو عدم تبديلها دورياً.
كمكافحة وقائية، ينصح المدير الطبي التقني الأهالي بضرورة شرب مياه البقين أو المياه المعدنية المعبأة والنقية بكميات وفيرة وبشكل استباقي (قبل الشعور بالعطش). هذه الخطوة تسهم بنسبة جيدة جداً في غسل الكلى أولاً بأول، وتقليل فرص ترسب الرمل وتكتل الحجارة داخلها.
بالإضافة إلى الأجور و الرواتب الشبه رمزية التي تجبر المواطن على اتخاذ الإجراءات الاكثر رخصاً .
لكن نصائح الخبراء الطبيين بشراء البدائل النقية أو صيانة الفلاتر تصطدم بجدار واقع اقتصادي مرير يعيشه سكان المنطقة، حيث تتحول النصيحة الطبية هنا إلى رفاهية لا تملك ثمنها آلاف العائلات.
إذ تشير التقديرات الميدانية إلى أن أعلى دخل قد يحققه الفرد في الحسكة لا يصل إلى 50 ألف ليرة سورية في اليوم الواحد، وهو رقم يعجز تماماً عن تغطية أساسيات المعيشة، فكيف له أن يغطي تكاليف مياه معقمة وبدائل صحية طاردة للمرض؟
وفي شهادة حية تعكس هذا العجز المالي، يقول المواطن عبد الحميد محمد متحدثاً عن المأساة اليومية لتأمين المياه:

إن مصروف العائلة الواحدة في الشهر لشراء مياه الصهاريج فقط يتجاوز الـ 300 ألف ليرة سورية، هذا في وقت لا يتعدى فيه دخل أغلب المواطنين المليون ليرة شهرياً”.
هذه الأرقام تكشف بوضوح أن ثلث دخل العائلة يذهب حرفياً لشراء مياه ملوثة تضر بصحتهم، مما يضع المواطن أمام معضلة معيشية معقدة: فإما إنفاق الدخل الشحيح على ماء يمرضهم، أو الموت عطشاً عاجزين عن شراء بدائل نقية
تبقى قضية مياه الحسكة نموذجاً حياً لكيفية تحول الأزمات الخدمية إلى كوارث صحية مزمنة. إن أرقام الإصابات بالرمل والحصى التي تقترب من تصفية معظم سكان المدينة تستدعي وقفة جادة من المنظمات الدولية والمحلية المعنية بالصحة والمياه. وإلى أن تجد “آبار علوك” طريقها للعمل مجدداً وبشكل آمن، سيبقى المواطن في الحسكة يدفع من صحته وعافية كليتيه ثمن كل لتر ماء يطفئ به رمق عائلته.
