بقلم الاعلامية: ملك دميرتاش
في الجزء الأول، وقفنا عند المحطة الزلزالية التي أحدثتها زيارة الوفد الثلاثي (السعودي – التركي – الباكستاني) إلى طهران، وما مثّلته من صدمة كهربائية لموازين القوى الإقليمية في مواجهة “سيناريو الجحيم”. اليوم، وبعد مرور أسبوع على تلك التطورات المتسارعة، تتكشف تدريجياً ملامح المرحلة الجديدة، محمّلة بتحولات عميقة تعيد رسم خارطة النفوذ، وتضع القضايا الفرعية – وفي مقدمتها المسألة الكردية – في عين العاصفة، وسط أنباء عن ترتيبات أمريكية – إسرائيلية بالغة الخطورة.
أولاً: آخر تطورات “حلف مكة” وتداعياته الميدانية والسياسية
لم تكن تفاهمات طهران مجرد مناورة دبلوماسية عابرة، بل تحولت إلى “دبلوماسية إدارة الحافة”:
تثبيت قواعد الاشتباك: نجحت الاتصالات المكثفة في إرساء هدنة ضمنية في الممرات المائية الحيوية (باب المندب والبحر الأحمر)، حيث تلقت الأطراف الإقليمية ضمانات صارمة بتقليص فرص الاحتكاك المباشر، مما وفّر متنفساً اقتصادياً عاجلاً للرياض وأنقرة.
الشرخ في الاستراتيجية الأمريكية: بدأت واشنطن تشعر بمدى تقلص هامش المناورة؛ فرفض دول الحلف استخدام أجوائها أو قواعدها اللوجستية في أي هجوم استباقي على إيران، يعني تحويل الردع الجماعي إلى جدار سياسي يصعب اختراقه بسهولة دون كلفة استراتيجية باهظة للغرب.
ثانياً: الكورد في عين العاصفة.. تداعيات المحور الجديد على (تركيا، إيران، سوريا، والعراق)
وسط هذا التقارب الإقليمي غير المسبوق، يجد الكورد في الدول الأربع أنفسهم أمام أحد أقسى المنعطفات التاريخية وأكثرها تعقيداً، حيث تتقاطع مصالح دول الجوار لإعادة هندسة الأمن الإقليمي على حساب تطلعاتهم:
في تركيا:
المكسب الاستراتيجي لأنقرة: يمثل هذا الحلف مكاسب جيوسياسية ضخمة لتركيا؛ فهو من جهة يعزز مكانتها كلاعب لا يُغيَّب في أمن الخليج وإيران، ومن جهة أخرى يمنح الرئيس أردوغان غطاءً إقليمياً لتكثيف عملياته العسكرية والأمنية ضد “حزب العمال الكردستاني” (PKK) في شمال العراق وسوريا تحت عنوان “مكافحة الإرهاب المشترك وحماية الاستقرار الإقليمي”.
تأثيره على الكورد في تركيا: يتراجع هامش العمل السياسي السلمي، وتزداد الضغوط على الأحزاب الكردية (مثل حزب المساواة وديمقراطية الشعوب DEM Parti)، حيث تُكرّس أنقرة مفهوم “الأمن القومي المطلق” لفرض المزيد من القيود بحجة تحصين الجبهة الداخلية في وجه العواصف الإقليمية.
في إيران:
تجد الأحزاب والقوى الكردية الإيرانية المعارضة (المتمركزة في إقليم كردستان العراق) نفسها محاصرة بشكل غير مسبوق. التقارب بين طهران والرياض وأنقرة – وبالتنسيق مع بغداد وأربيل – يعني رفع الغطاء الإقليمي والدولي عن أي حراك كردي مسلح أو حتى سياسي داخل إيران، حيث تتجه الأنظار نحو تفعيل الاتفاقيات الأمنية المشتركة (الإيرانية – العراقية – التركية) لخنق أي نشاط كردي معارض يعكّر صفو التهدئة الجديدة.
في سوريا:
مأزق الإدارة الذاتية (قسد): يشكل هذا التقارب الرباعي (السعودي – التركي – الباكستاني مع انخراط إيراني ضمني) كابوساً استراتيجياً لكل المنطقة.
فالتفاهم التركي – الإيراني – السعودي قد يُترجم إلى ضوء أخضر لعملية عسكرية تركية واسعة النطاق في شمال وشرق سوريا، أو إلى تسوية قسرية تُجبر “قسد” على تسليم ملفات سيادية ونفطية لدمشق بوساطة إقليمية تضمن “استقرار الحدود”، بهدف تقويض مشروع الإدارة الذاتية كلياً وهذا ما سيُجبر قسد على البحث عن تحالفات تضمن للكورد حقوقهم مما ينذر بحروب أهلية .
في العراق (إقليم كردستان):
يتعرض إقليم كردستان العراق لضغط مزدوج؛ فهذه التفاهمات تفرض على أربيل وبغداد تنسيقاً أمنياً حديدياً لمنع تحويل الأراضي العراقية إلى منصة استهداف لإيران أو تركيا. هذا الوضع يضع القيادة في أربيل بين مطرقة الالتزامات الإقليمية الجديدة وسندان الحفاظ على المكتسبات الذاتية للإقليم.
ثالثاً: شبح الهجوم النووي.. كواليس التنسيق الأخير بين إسرائيل وأمريكا
بالتوازي مع محاولات التهدئة التي يقودها “حلف مكة”، تشهد الدوائر العسكرية في واشنطن وتل أبيب تطورات بالغة الخطورة؛ حيث تؤكد التقارير الاستخباراتية الأخيرة توصل إسرائيل والولايات المتحدة إلى تفاهمات متقدمة (وربما خطة عملياتية مشتركة) لشن ضربة استباقية تستهدف البنية التحتية للبرنامج النووي الإيراني، مستخدمة تكتيكات الضربات السيبرانية المعقدة وقنابل اختراق التحصينات الاستراتيجية.
لماذا الآن؟ تخشى تل أبيب وواشنطن أن يتحول “حلف مكة” والتقارب الإقليمي إلى “مظلة حماية دروع بشرية ودبلوماسية” تكسب طهران الوقت اللازم للعبور نحو العتبة النووية النهائية.
ساعة الصفر: هذا التخوف هو ما يدفع إسرائيل للضغط باتجاه توجيه ضربة سريعة وموجعة قبل أن يكتمل بناء هذا الحائط الأمني الإقليمي الجديد الذي قد يجعل أي هجوم غربي لاحق مكلفاً للغاية ومؤدياً إلى شلل تام في شرايين الطاقة العالمية.
بالمختصر يمكننا القول:
إن الشرق الأوسط يغلي على صفيح ساخن؛ فبينما تحاول دول “حلف مكة” صياغة مظلة ردع جماعي تفادياً لـ “سيناريو الجحيم”، تسابق إسرائيل والزمن الأمريكي الخطى لتوجيه ضربة قاصمة للنووي الإيراني. وفي خضم هذا الصراع، يدفع الكورد في الدول الأربع الفاتورة الأكبر، حيث تتآكل مكاسبهم لصالح إعادة إنتاج “الدول المركزية القوية” المدعومة بتفاهمات إقليمية جديدة تحصن حدودها على حساب طموحات الأقليات. إننا لسنا أمام نهاية الصراع، بل أمام فصل جديد وأكثر دموية وتعقيداً في تاريخ المنطقة.
