“دراسة في سيرة شاعر الثورة والإنسان”
(قراءة في كتاب الباحث حسن جنكو)
بقلم: شاعرة وكاتبة : كوردستان يوسف
يمثل كتاب “جكر خوين.. من عمق المأساة إلى فضاء الإنسانية” للباحث الكوردي السوري حسن جنكو، والصادر عام 2013 محطة نوعية في توثيق سيرة واحد من أبرز الأصوات الشعرية في التاريخ الكوردي الحديث، إنه الشاعر شيخموس حسن المعروف بـ “جكر خوين” (الكبد الدامي) (1903-1984)، وهو الاسم الذي يعكس عمق الألم الذي عاشه وعبر عنه طوال حياته.
يقع الكتاب في حوالي 180 صفحة، وهو دراسة أكاديمية توثيقية، وإن كان البحث أو الدراسة لا تحيط بتفاصيل حياة الشاعر وتجربته الأدبية من كافة جوانبها الأدبية من قصص شعرية أو حوارات مسرحية، كما عبر عن ذلك الكاتب في مقدمته للكتاب، بل هي دراسة تركز على الجانبين الفكري والنضالي، والبعد الإنساني في تجربته الشعرية.
اعتمد الباحث حسن جنكو في كتابه منهجاً تحليلياً ميسراً، جمع بين التوثيق التاريخي والقراءة الأدبية والنقد الأدبي. وتعمد سلوك أقصر السبل لعرض النصوص وتوضيح مصادرها، ليخرج العمل من دائرة النخبة إلى عموم القراء والمحبين لشعر وأدب جكر خوين، وقد حرص على وضع مقدمات سياقية قبل كل نص مختار، وقدم تعليقات وإضاءات تفصيلية استخرج من خلالها الإيحاءات والرموز والدلالات الفنية، كما ترك مساحة للقارئ ليستنتج بنفسه الأحكام والعبر من خلال الخواتيم التي صاغها في نهاية كل مقطع، وتجاوز الباحث بعض الهفوات النقدية على نتاج الشاعر، حرصاً على إبقاء البحث في سياقه الإيجابي التعريفي، دون تشتيت القارئ بمعارك جانبية.
من أبرز سمات المنهج الذي اتبعه الباحث، ترجمته الدقيقة للنصوص الشعرية من اللغة الكوردية إلى العربية، مع شرح جميل للعمق الإنساني والقومي في كل صورة شعرية، مما جعل الكتاب جسراً ثقافياً بين القارئ العربي والشعر الكوردي. ولم يغفل الباحث الربط بين التأثيرات الثقافية المتنوعة التي شكلت وجدان الشاعر، بدءاً من الشعراء الكورد الكلاسيكيين كالخاني والجزيري وفقه تيران، وصولاً إلى الشعر العربي ممثلاً بأبي تمام وغيره، مروراً بشعر التصوف الكوردي والفارسي والعربي. وهذا التعدد الثقافي يفسر غنى التجربة الشعرية لجكر خوين واتساع أفقها.
يتتبع الكتاب في بداياته ملامح البيئة التي ولد فيها الشاعر في قرية “هساري” التابعة لمدينة ماردين، ثم هجرة عائلته إلى شمال سوريا، ثم استقرارهم في مدينة عامودا، حيث البيئة الكوردية ذاتها و اللغة ذاتها و اللهجة الكرمانجية ذاتها، ويسلط الضوء على معاناة الشاعر منذ طفولته المبكرة، وهي معاناة لا تختلف عن معاناة بقية أبناء شعبه من اضطهاد وظلم وفقر وجهل. ويترجم الباحث قصيدة “أماكن الدراسة” بالكامل، ليبرز المشقة التي لاقاها الشاعر حتى حصوله على الإجازة الشرعية ولقب “الملا،. وكيف كان التنقل بين القرى بحثاً عن العلم بمثابة رحلة تأسيسية لوعيه النقدي المبكر. ولا يقتصر الكتاب على السيرة الذاتية، بل يمتد ليحلل التحول الذي طرأ على الشاعر، وكيف تحول من مرشد ديني تقليدي إلى منبر ثوري متمرد يدعو للنهضة القومية الكوردية، من خلال احتكاكه بالواقع المرير، واحتكاكه بالفكر التقدمي والاشتراكي والشيوعي.
في ميدان السياسة، يكشف الكتاب عن دور جكر خوين المحوري في تأسيس النوادي الثقافية والحركة السياسية الكوردية منذ أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، فقد حمل الشاعر الهم القومي مبكراً، وانخرط في الحركة الشيوعية في بداية مشواره، ثم انتقل إلى صفوف الحزب الديمقراطي الكوردي ليصبح عضواً في لجنته المركزية عام 1958، وليستمر في الحزب الكوردي التقدمي لاحقاً، ويظل ممثلاً له في أوروبا حتى رحيله في ستوكهولم عام 1984، وهذه المسيرة السياسية الحافلة تُظهر كيف كان الشعر بالنسبة لجكر خوين امتداداً عضوياً للنضال، وليس مجرد تعبير جمالي منفصل عن هموم الشعوب.
ويصل الكتاب إلى جوهر رسالة الشاعر من خلال تتبعه لأبعادها القومية والإنسانية. حيث يرى الباحث أن جكر خوين عقد عهداً مع ذاته ومع قضية شعبه، وحول ذاته إلى مشعل من لهيب لينقذ شعبه من الاضطهاد، وكان مدركاً أن الخلاص الحقيقي يبدأ بالتخلص من الجهل والأمية والتخلف، وهذا ما جعل شعره يحمل نزعة تفاؤلية رغم قسوة المأساة التي عاشها، ولم يغفل الكتاب توثيق أدوات التعذيب والقهر التي استخدمت ضد المثقف الكوردي، والزنازين التي عانى منها جكر خوين وغيره، مع استحضار أمجاد الماضي وانكسارات الحاضر عبر استقراء التاريخ واستقصاء الدروس. مما منح الكتاب بعداً تأريخياً عميقاً.
من أبرز ما يميز شعر جكر خوين الذي يتناوله الكتاب بالتحليل، تمازجه العضوي مع المزاج القومي الكوردي، وعشقه لطبيعة كردستان، وتمجيده لتاريخها. فالشاعر يستدعي في قصائده أسماء جغرافية ومعالم بيئية محددة، كشنكال ومران، وسهل شهرزور وسنجق، وطوروس ودجلة والفرات، ليربط بين التزامه الوطني والدفاع المستميت عن الأرض التي وصفها بالسفوح والسهول المكتسية بالأزاهير. كما يحرص على استحضار أمجاد الماضي الكوردي، مقارناً إياها بانكسارات الحاضر، ليستلهم من التاريخ دروساً في الصمود والمقاومة، وإلى جانب هذا البعد القومي، يتجلى البعد الإنساني في شعر جكر خوين بوضوح، حيث تجاوزت قصائده الحدود الجغرافية لتصبح صوتاً إنسانياً عاماً، تندد بالحروب وترفض الأحلاف العسكرية، وتدافع عن قيم السلم والعدالة الاجتماعية وحقوق المستضعفين في كل مكان. كما ناصر حرية المرأة وحقها في بناء المجتمع، وهو ما يؤكد عمق النزعة الإنسانية في تجربته الشعرية.
ورغم قسوة الحاضر الذي عاش فيه الشاعر، يتسم شعره بنظرة تفاعلية إلى المستقبل، حيث يدعو إلى النهضة والتغيير عبر سلاح العلم والمعرفة كسبيل وحيد للتحرر، فشعره يمثل صورة سافرة ساخرة للناقد الذي لا يداري ولا يجامل، ومرآة صادقة للانقسامات والخلافات والعادات الاجتماعية الكوردية. حيث لم يتردد الشاعر في تسليط الضوء على الإشكاليات الداخلية لمجتمعه لإصلاحها، وهذا الموقف النقدي الجريء جعل من شعره أداة تغيير وتنوير، وليس مجرد تعبير عن الألم والمعاناة.
ولعل من الفصول الملفتة للنظر، هو الفصل الذي تناول أممية فكر جكر خوين ودوره الثوري الإنساني، وعده واحداً من شعراء المرحلة كناظم حكمت ومحمود درويش وأدونيس ولوركا ونيرودا. فقد كتب عن ثورة الجزائر، ووقف إلى جانب عمال تكساس ضد الرأسمالية، ووقف مع روبنسون الأفريقي، ومع قضايا حركات التحرر العالمية في كوبا وفيتنام وتشيلي. وقد ساهم أدونيس وجكر خوين وغيرهما في الإشادة بالكورد وكردستان، كما فعل الجواهري في قصيدته المعروفة عن كردستان،
وإذا كان المحتوى العلمي والأدبي للكتاب يضعُه في مصاف الدراسات الجادة، فإن الإخراج الشكلي للكتاب يحمل ملامح متباينة تستحق الوقوف عندها، فالحروف والخطوط الطبيعية المستخدمة في المتن تتمتع بجمال واضح وراحة للعين، مما ييسر عملية القراءة ويجعلها ممتعة ومتناغمة مع عمق المضمون الفكري والأدبي للكتاب، بيد أن نوعية الغلاف وتصميمه قد أتت دون المستوى المطلوب، إذ تبدو رداءة التصميم واضحة نتيجة ضعف الإمكانيات الطباعية المتاحة، حيث عانى الغلاف من سوء الكعب،و الطباعة في الكتابة، وتشتت في توزيع اللون، وعدم تناسق في الخطوط، مما أضعف الانطباع البصري الأولي عن الكتاب، رغم غنى ما يحمله بين دفتيه. كما أن الكتاب يفتقر إلى البيانات التعريفية الأساسية، كالرقم الدولي الموحد للكتاب (ISBN)، والتوثيق الرسمي من قبل دار نشر معتمدة، وهو أمر ضروري لحماية حقوق الطبع والنشر والترجمة، وتأمين حضور قانوني للعمل في الأوساط الأكاديمية والمكتبات العالمية، والمعارض الدولية، ونأمل أن يتم تلافي هذه الهفوات الشكلية في طبعات لاحقة، حيث يمكن للكتاب أن يظهر بحلة تليق بمكانته العلمية والأدبية، وتواكب جودة محتواه الذي يضيف قيمة حقيقية للمكتبة الثقافية الكوردية.
في الخلاصة، يقدم الكاتب حسن جنكو من خلال كتابه قراءة متكاملة لشاعر كان نشيد الروح الكوردية، ليس فقط لأنه كتب الشعر، بل لأنه جعل من القصيدة سلاحاً ومأوى، ومن الكلمة خندقاً يحفره في الأرض وفي الذات معاً، إن هذا الكتاب، رغم صغر حجمه النسبي، يظل بوابة لفهم أعمق لتجربة رجل ارتبط اسمه بالنضال من أجل الحرية والكرامة الإنسانية، وتجاوز بعمقه الإنساني حدود الزمان والمكان ليصبح صوتاً للضمير الإنساني في كل مكان، وهو بذلك يمثل وثيقة مرجعية هامة لدارسي أدب جكر خوين وطلبة الأدب الكوردي في جامعات كردستان، ودراسة فكرية سوسيولوجية تشرح كيف يمكن للأدب الملتزم أن يتحول من المعاناة الفردية والقومية إلى رحاب الفكر الإنساني العالمي المشترك.
