بقلم الكاتب : عبدالوهاب پيراني
تعد الفنانة كلستان طاهر، المعروفة فنياً باسم كلستان سوباري واحدة من أبرز الأيقونات الفنية والثقافية في الساحة الكوردية، حيث جمعت بين الغناء والتمثيل المسرحي على مدى أربعة عقود من العطاء المتواصل. وُلدت كلستان طاهر عام 1969 في مدينة الدرباسية، ونشأت في بيئة فنية عريقة أثرت في مسيرتها وشكلت ملامحها الإبداعية.
ولدت كلستان طاهر في عائلة جمعت بين الفن والأصالة، إذ كان والدها الفنان نجم أومري عازفاً وموسيقاً، كما أنها شقيقة لكوكبة من الفنانين الكورد المعروفين، منهم الفنان رمضان نجم أومري، الفنان الكوردي البارز الذي رحل قبل أكثر من عام بعد مسيرة حافلة.والفنان شكري سوباري الذي رعى موهبتها منذ البدايات، وشقيقتها الفنانة مزكين طاهر خريجة المعهد العالي للفنون الموسيقية والمعروفة كفنانة اوبرالية، وهذا المحيط الفني جعل الفن جزءاً من حياتها اليومية منذ الصغر.
بدأت كلستان طاهر مسيرتها الفنية عام 1984، حين كانت في الخامسة عشرة من عمرها، من خلال مشاركتها في الغناء ضمن الفرق الفلكلورية الكوردية. في تلك الفترة، كانت الحركة الفنية الكوردية تواجه تحديات كبيرة، إلا أن موهبتها وإصرارها مكناها من ترك بصمة واضحة منذ البداية.
تنقلت بين مدن الحسكة، قامشلو، سري كانية، والدرباسية، ولبنان والأردن وإيران وكوردستان وأوربا وشاركت في العديد من الاحتفالات الوطنية، ولا سيما احتفالات نوروز، إضافة إلى المناسبات القومية الأخرى، حيث كانت تقدم أغنياتها الفلكلورية والعاطفية والوطنية.
قدمت كلستان سوباري خلال مسيرتها الغنائية العديد من الأغاني التي لاقت صدى واسعاً في الوجدان الكوردي، وكان أبرزها على الإطلاق أغنية “قامشلوكا أفيني” (Qamişloka Evînê)، “قامشلو العشق”. كتب كلمات الأغنية الشاعر الراحل فرهاد عجمو، ولحنها الفنان بهاء شيخو. وقد حوّل شجن صوتها هذه الأغنية في أذهان المستمعين إلى نشيد وجداني يتغنى بحب الجذور والوطن.
إلى جانب ذلك، قدمت العديد من الأغاني القومية الكوردية التي حملت رسائل وطنية وإنسانية، وتميز صوتها بالدفء والشجن الذي حمل بين طياته بحّة الحنين وعطر تراب الوطن.
لم تقتصر موهبة كلستان طاهر على الغناء، بل امتدت إلى خشبة المسرح، حيث برعت في التمثيل وتركت بصمة واضحة في المسرح الكوردي.
شاركت كلستان طاهر في مهرجان المسرح الكوردي الأول الذي أُقيم في مدينة عفرين عام 1994، وحققت فيه إنجازاً مميزاً بنيلها الجائزة الأولى كأفضل ممثلة، كما نال العرض المسرحي الذي شاركت فيه جائزة أفضل عرض مسرحي متكامل، وهو ما رسخ اسمها كواحدة من أبرز الممثلات الكرديات في تلك المرحلة.
في مطلع الألفية، وبالتحديد عام 2000، هاجرت كلستان طاهر إلى ألمانيا واستقرت في مدينة بوخوم. ورغم بعد المسافة، واصلت عطاءها الفني بلا كلل، حيث شاركت في فرق موسيقية عديدة وقدمت أعمالاً مسرحية ضمن الجاليات الكوردية في أوروبا.
من أبرز أعمالها في المهجر مونودراما “نسرين” التي كتبها الكاتب المسرحي احمد اسماعيل اسماعيل، وتعد مونودراما “نسرين” من أهم المحطات المسرحية في مسيرتها الفنية، جسّدت فيها كلستان دور البطولة المطلقة، وعرّفت من خلاله معاناة طفلة كوردية مع ويلات الحرب والتهجير ومخاطر الغربة. عُرض العمل في عدة مدن ومهرجانات عالمية، وحصدت عنه جائزة أفضل ممثلة في مهرجان سقز المسرحي في إيران، وكان عملها في مونودراما نسرين وقفتها الأخيرة على مسرح قامشلو.
تركت كلستان طاهر إرثاً فنياً خالداً تميز بطابع إنساني ركز على قضايا الحرب والهجرة ومعاناة الأطفال، وكانت صوتاً للهوية، وجسراً ممتداً بين جمر الوطن وصقيع المغترب.
توفيت الفنانة كلستان طاهر (كلستان سوباري) يوم السبت 5 أيلول 2026 في مدينة بوخوم الألمانية، عن عمر ناهز 57 عاماً. وقد نعتها الأوساط الفنية والثقافية الكردية، معتبرة رحيلها خسارة كبيرة للمسرح الكوردي والساحة الفنية، ومؤكدة أن صوتها الدافئ وأعمالها الخالدة ستبقى حية في قلوب محبيها.

