بقلم الكاتبة : هورين حسن
تبدو اللقطات المصورة المأخوذة من حديقة “آزادي” في حي الهلالية مبهجة للغاية؛ حشود تملأ المكان، وأضواء تتلألأ بمناسبة المهرجانات الكبرى ومئوية قامشلو.
لكن هذه المشهدية السينمائية الموجهة تخفي وراء أسوار الحديقة واقعاً خدمياً مأزوماً يعيشه أهالي المدينة يومياً. فالإصرار على اختيار هذا الموقع الصغير تحديداً لتنظيم فعاليات جماهيرية ضخمة لا يمكن تفسيره بعشوائية التنظيم، بل هو نتاج تداخل معقد بين تكتلات الاستثمار الخاصة، التوظيف السياسي للمساحات العامة، والاستسهال الأمني الذي يدفع ثمنه المواطن من راحته وجيبه.
بعيدة ومكلفة.. كيف أقصت مهرجانات “آزادي” عائلات الدخل المحدود؟
أولى خطايا هذا الاختيار تبدأ من الهندسة الجغرافية والمادية للموقع؛ فزجّ الفعاليات المركزية في أقصى الطرف الغربي للمدينة يمثل عملية إقصاء طبقي غير معلن لسكان الأحياء الشرقية والجنوبية المكتظة (كالعنترية وميسلون والكورنيش).
هؤلاء يجدون أنفسهم مجبرين على دفع إتاوات نقل باهظة لشبكات المواصلات وسيارات الأجرة المتلاعب بأسعارها للوصول إلى الموقع.
وعند عتبة الحديقة، تصطدم العائلات بـجدار استثماري صلب، حيث تحولت كل زاوية ومرفق ولعبة أطفال إلى دكان تجاري يخضع لمنطق الجباية وتحقيق الأرباح القياسية، مما يحوّل متنفس الشعب المفترض إلى مضافة مخصصة فقط لمن يملك القدرة على الدفع، وينفي عن هذه المهرجانات صفتها الشعبية.
اختناق مروري مستمر على طريق عامودا.. أين خطط البلدية لتنظيم حركة السير؟
يمتد الاستهتار التنظيمي ليضرب عصب النقل الأساسي في المنطقة، حيث يتحول طريق “قامشلو – عامودا” خلال فترة المهرجانات إلى مصيدة مرورية خانقة ونقطة اختناق مروري حادة (عنق زجاجة) تشل حركة السير لساعات.
هذا الاختناق ليس قضاءً وقَدَراً، بل هو نتيجة مباشرة للقصور الإداري؛ فالحديقة تفتقر تماماً لمرائب استيعابية منظمة، مما يضطر آلاف السائقين لركن مركباتهم بشكل عشوائي على جانبي طريق سريع يفتقر لأدنى مقومات السلامة أو جسور عبور المشاة، ممّا يهدد بوقوع كوارث مرورية يومية ويزيد من نقمة المسافرين والمارة.
غطاء بيئي مدمر ومرافق متهشمة.. مَن المسؤول عن حماية المتنفس الطبيعي؟
إن المساحة المحدودة للحديقة تعجز بنيوياً عن استيعاب تلك الكثافة البشرية المصطنعة، ممّا يحول الفضاء الأخضر فور انتهاء العروض إلى مكب مفتوح لأطنان النفايات والمخلفات البلاستيكية المشوهة للمنظور العام، وسط تهشم واضح للمقاعد والمرافق العامة.
هذا المشهد المقزز يفضح زيف خطط النظافة الطارئة للبلدية، ويكشف النقاب عن انتهازية المستثمرين النافذين داخل الحديقة، والذين يمتصون الأرباح بداخل محلاتهم الاستثمارية ويتملصون تماماً من مسؤولية صيانة وإعادة تأهيل المحيط البيئي المخرب، وسط غياب تام لآليات الرقابة والمحاسبة الفردية أو المؤسساتية.
عقود استثمارية أم حسابات أمنية وإعلامية؟ لِمَ يتم الهروب من الملاعب المفتوحة؟
أمام هذه الكوارث الثلاث (المادية، المرورية، البيئية)، يصبح السؤال مشروعاً وبقوة: ما الذي يدفع أصحاب القرار للاستماتة في اختيار هذا الموقع الصغير تحديداً؟ والإجابة تكمن في ثلاثة أبعاد غير معلنة:
1- شبكات الاحتكار التجاري والتنفيع المتبادل: على الرغم من أن الحديقة مسجلة قانونياً كأملاك عامة تابعة لبلدية الشعب (مؤسسات الإدارة الذاتية)، إلا أن تشغيل مطاعمها، مقاهيها، ومدينة ملاهيها ممنوح بعقود استثمارية خاصة لتجار محليين وجهات نافذة مقربة من دوائر القرار.
وحشد عشرات الآلاف في هذه البقعة يضمن ضخ ملايين الليرات مباشرة في جيوب هؤلاء الخواص لإنعاش أرباحهم، تزامناً مع تحصيل البلديات لمبالغ فلكية من تجارة “إيجار المتر المربع” للشركات المحلية العارضة في المعارض التسويقية.
2- البروباغندا وصناعة الوهم الإعلامي: تخدم المساحة المدمجة والمزدحمة بعدسات التلفزيون الموالية غرضاً دعائياً بحتاً؛ حيث يُسهل “إخراج المشهد” ليظهر تلاحم الحشود الكثيفة وكأن المدينة تعيش حالة نموذجية من الاستقرار والرخاء المطلق، وهو وهم ينكشف مباشرة لو نُظمت ذات الأنشطة في ملاعب مفتوحة أو ساحات واسعة تظهر حجم الحضور الفعلي دون تضخيم كاميرا.
3- الاستسهال الأمني المفرط: تفضل الأجهزة الأمنية (الآسايش) الهروب من عبء تأمين المواقع المفتوحة داخل وسط المدينة، وتضغط باتجاه حديقة “آزادي” لكونها بقعة مسوّرة ومحاطة بأسوار ذات بوابات محددة تسهل تفتيشها ومراقبتها كلياً، ضاربةً بعرض الحائط كلفة النقل ومعاناة السير الخانقة التي يتكبدها المواطن في الخارج.
هل تعود حدائق المدينة ملاذاً مجانياً ومتاحاً للجميع؟
إن ما يحدث في حديقة آزادي هو جرس إنذار ضد خصخصة الفضاء العام وتحويله إلى أدوات دعاية سياسية واستثمار تجاري بحت.
إن كرامة المواطن الخدمية وحقه في بيئة نظيفة ومواصلات ميسرة يجب أن تتقدم على أرباح المستثمرين وبرستيج المنظمين.
إن الحل يبدأ فوراً بنقل المهرجانات الكبرى إلى ملاعب أو منشآت رياضية وساحات مؤهلة قادرة على استيعاب الحشود، وتدفيع هؤلاء المستثمرين غرامات بيئية وتأهيلية قاسية، وإلا فإن هذه الفعاليات ستبقى بنظر الشارع مجرد استعراض فخم يُبنى على أنقاض راحة وجيوب البسطاء.
كفى استثماراً في أزمات الأهالي
في النهاية، لا يمكن بناء مدينة مزدهرة عبر حجب أزماتها الحقيقية بستائر المهرجانات والبروباغندا البراقة.
إن أهالي قامشلو يستحقون فضاءات عامة تحترم كرامتهم الخدمية وتراعي قدراتهم المالية، لا مشاريع استثمارية تُدار بعقلية الجباية والمنفعة الضيقة.
لقد حان الوقت لتستمع بلدية الشعب لصوت الشارع، وتعيد للحدائق العامة هويتها الحقيقية كملاذ مجاني ومتاح للجميع، بدلاً من إبقاء المدينة في مصيدة قرارات تنظيمية تسحق جيب المواطن لتنعش حسابات المستثمرين.
