بقلم: شيار دميرتاش
يصادف يوم غدٍ الثالث والعشرون من آب الذكرى الرابعة والستين لصدور المرسوم التشريعي رقم 93 لعام 1962، والمعروف بـ “الإحصاء الاستثنائي” في محافظة الحسكة. هذا الإجراء العنصري الذي جرد بضربة قلم عشرات الآلاف من الكورد السوريين من مواطنتهم، وحولهم بين ليلة وضحاها إلى “أجانب” ومكتومي قيد في أرض أجدادهم، لتبدأ معها فصول مأساة إنسانية وقانونية امتدت لعقود.
تصحيح المفهوم:*إعادة حق وليس مكرمة او (منح)
مع صدور المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2024 من قبل الرئيس المؤقت أحمد الشرع، والذي قضى بتسوية أوضاع هذه الفئة، تبرز ثغرة قانونية وسياسية كبرى يرى فيها الحقوقيون والمراقبون الكورد انتقاصاً من عدالة قضيتهم. فالمرسوم جاء بصيغة “منح الجنسية”، في حين أن الصواب والمطالب الحقوقية التاريخية تؤكد على ضرورة صياغته كـ “إعادة الجنسية المجردة قسراً” فالكورد لم يكونوا يوماً وافدين يطلبون التجنيس، بل هم سكان أصليون انتُزعت هويتهم السورية غدراً، والاعتراف بحقهم يجب أن يكون إقراراً بالخطأ التاريخي وجبراً للضرر، لا مكرمة سياسية تفتقر للاعتذار الرسمي.
إرث الحرمان التراكمي:*عقود خلف الجدار التهميشي إن استلام الهوية الشخصية اليوم لا يعني نهاية المعاناة، بل هو بداية لمواجهة تركة ثقيلة من التمييز الممنهج الذي طال أدق تفاصيل الحياة المعيشية:
حرمان تعليمي ممتد: حُرمت أجيال كاملة من الكورد من استكمال دراستهم والالتحاق بالجامعات الرسمية، وطُرد الكثيرون من مقاعد الدراسة بسبب صفتهم القانونية، مما خلق فجوة معرفية وتأهيلية واسعة.
الحصار المعيشي والصحي: لعقود طويلة، مُعِ الرعايا المجردون من الجنسية من الحصول على السلع التموينية المدعومة (البونات)، وحُرموا من الرعاية الطبية المجانية في المستشفيات الحكومية، مما فاقم الأوضاع الاقتصادية والصحية للعائلات الكوردية.
تحديات ما بعد الهوية:*أزمة الملكيات الضائعة والتعويضات تأتي المرحلة الحالية محملة بتحديات إدارية وقانونية معقدة تتطلب حلولاً جذرية وفورية، ومن أبرزها:
-معضلة الأملاك المسجلة لآخرين ، واسترجاع الاراضي: بسبب القوانين السابقة التي حظرت على الكورد المجردين تملك العقارات والأراضي الزراعية، اضطر الآلاف لتسجيل أملاكهم وبيوتهم بأسماء أقاربهم أو معارفهم. اليوم، تواجه هذه العائلات تحدياً كبيراً وصراعات قانونية معقدة لإثبات ملكياتهم واسترجاعها. كما تواجه هذه التسوية تحديات كبيرة تتعلق باستعادة الممتلكات وإلغاء آثار التغيير الديموغرافي، لا سيما أراضي “عرب الغمر
-المطالبة بالإعفاء الضريبي الشامل: يطالب المجتمع الكوردي والحقوقيون بأن ترافق عملية استرداد وتسجيل الملكيات العقارية والزراعية تسهيلات استثنائية، بحيث تتم عمليات نقل السجلات وتثبيتها مجاناً وبشكل كامل دون فرض أي رسوم مالية، ضرائب، أو غرامات تراكمية، كجزء من التزام السلطة بإصلاح آثار الماضي.
-غياب التعويض المادي والمعنوي: لم يتضمن المرسوم رقم 13 أي بنود واضحة لتعويض المتضررين مادياً ومعنوياً عن عقود الحرمان من التوظيف، والدعم، والسفر، والعمل الحر، وهو ما يجعل المواطنة الحالية منقوصة من مفهوم “العدالة الانتقالية” الشاملة.
إن كورد سوريا، وهم يحيون هذه الذكرى الأليمة، يؤكدون أن الهوية الورقية هي مجرد خطوة أولى؛ وأن المواطنة الحقيقية لن تكتمل إلا برد الحقوق العقارية، وتصفير الرسوم الإدارية، وإقرار حزم تعويضات عادلة تضمن محو ثوابت الإقصاء الذي بدأ قبل 64 عاماً.
