بقلم : محمود عيسى
هناك لحظات في حياة الإنسان تتوقف فيها حركة الزمن، وتتلاشى الحدود بين الواقع والخيال، ليجد المرء نفسه معلقًا في المساحة الفاصلة بين الحياة والموت، بين الأمل والعدم. في تلك المساحة بالذات، التي أسميها “حياة البرزخ”، وجدتُ نفسي وأنا في أوج شبيبتي، ابن التسعة عشر ربيعًا، زهرةً غضة في مهب رياح السجون وسياسات القمع.
لم يكن السجن مجرد جدران أربعة وقضبان من حديد؛ بل كان حالةً من العزلة المطلقة عن العالم، انتظارًا للمجهول الذي لا ملامح له. في ذلك المكان، حيث يراد لك أن تكون مجرد رقم أو هامش مهمل، يُسلَب منك كل شيء: حريتك، وقتك، وغدك. ولكن في قلب هذا البرزخ المظلم، اتخذتُ قرارًا حاسمًا لم يملك أحدٌ سلطة انتزاعه مني: أن أكون أنا الوالد والراعي لتطوري النفسي والفكري.
حين يُحرم الإنسان من كل شيء، لا يبقى أمامه إلا ذاته. تحولت الساعات التي ظنّ السجان أنها ستضيع “هباءً منثورًا” إلى ساحة معركة فكرية. احتضنتُ الفلسفة لتعيد تشكيل وعيي بالألم والوجود، وغصتُ في أعماق اللغات الجديدة —كالألمانية— لتكون جسري نحو عوالم أرحب تزيل حدود المعتقل. جعلتُ من القراءة نفقًا للحرية، ومن التعلم أسلوبًا للصمود، فلم أعد ذلك المعتقل المنتظر للمصير، بل أصبحتُ طالبًا للحقيقة يسعى لبناء نفسه من جديد.
لم تكن جريرتي التي قادتني إلى ذلك البرزخ سوى حقيقة وجودي: أنني كردي.
لقد رأى السجان في لغتي، وفي كوني إنسانًا حيًا يرفض المحو، تهديدًا لأمنه القومي الزائف. أدركتُ حينها أن وجودي بذاته هو فعل مقاومة. إن الكردية بالنسبة لي ليست اختيارًا عابرًا، بل هي أصل الحياة، وأساس الوجود، ونقطة الانطلاق نحو كل تقدم وتطور. إنها المنحة التي اختارها الله لي حين خلقني كرديًا، وهو شرفٌ أعتز به وأحمله بكرامة لا تزعزعها السجون ولا العتمة.
إن سجون الدنيا بأسرها، بكل ما تمتلكه من أدوات البطش ووسائل القمع، تعجز عن سلب إنسانٍ إيمانه بذاته وقوميته. قد يملك السجان أن يحبس الجسد في برزخ الزمان، لكنه لا يستطيع حجز الفكر أو مطاردة الروح.
سأظل مناضلًا عن حقي وهويتي ووجودي حتى الرمق الأخير. نضالٌ لا يحده شكل ولا تحصره أداة؛ هو نضال الفكر والكلمة، نضال التعلم والمعرفة، من القلم إلى أي وسيلة تصون الحق وتذود عن الكرامة. فمن يستطيع أن يزرع نور المعرفة في ظلمة البرزخ، لن تستطيع كل آلات القمع أن تكسر إرادته.
